الحي الالماني في حيفا

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 29 أغسطس 2017 - 4:34 مساءً
الحي الالماني في حيفا


حيفا- اسكندر عمل
في العام 1858 أُقيمت البيوت الأولى كبداية ضاحية خارج الأسوار في أسفل منحدرات جبل الكرمل، وكان موسرو المدينة أول من بنى خارج الأ سوار ،وان دلّ هذا الأمر على شيء فانما يدل على استتباب الأمن والاكتظاظ داخل الأسوار. لكن الانطلاق البارز خارج اسوار المدينة كان باتجاه الغرب عام 1868 حين بدأ الألمان الهيكليون ببناء حيهم في حيفا وهو الأول في فلسطين(أقام الهيكليون مستوطنات لهم فيما بعد في يافا وبيت لحم الجليلية وفالدهايم).البيوت التي بنيت كانت جميلة ومحاطة بحدائق.
سبقت انشاء الحي تحضيرات قام بها مبعوثا الألمان الهيكليين الى البلاد المقدسة هوفمان وهيرديج اللذان سافرا الى استنبول واستعانا بارشادات سفارة اتحاد دول شمال المانيا(كانت بروسيا أكبر الدول الألمانية ونجحت بقيادة بسمارك توحيد شمال المانيا حتى العام 1868 ثم نجحت في توحيد كل المانيا بعد حرب السبعين ضد فرنسا) في الآستانة(استنبول)،ثم أرسلا في 15 آب مذكرة للباب العالي طلبوا فيها أرضا مساحتها ثلاثة أميال مربعة على الكرمل، ويبدو أن تحديد المكان في حيفا كان بارشاد السفير الألماني في الآستانة وبطلب من الملك ولهلم الأول ملك اتحاد شمال ألمانيا. احتوت المذكرة على أنهما (هوفمان وهيرديج) يرئسان جمعية تطلب الاستيطان في فلسطين لدوافع دينية وسيعملون في الزراعة والصناعة واقامة مؤسسات ذات فائدة اجتماعية وأكدوا أن ليس لهم أية أهداف سياسية .
لم ينتظر هوفمان وهيرديج صدور فرمان بهذا الشأن وسافرا الى حيفا،وفي طريقهما مرا ببيروت حيث حذرهما القنصل العام البروسي من قبول الجنسية العثمانية كشرط للتملك والبناء في حيفا.فور وصولهما الى المدينة قاما بشراء الأرض التي بنيت عليها البنايات الأولى في الحي الألماني في حيفا العتيقة من ملاكين مسلمين،وقد فعلوا ذلك رغم معرفتهم أن عملية الشراء غير قانونية،أما القائمقام والنائب فلم يعلما بأمر منع الألمان من شراء الأراضي في حيفا، فقط في العام 1872 تنبها الى ذلك،وحين اراد الألمان تسجيل هذه الأراضي في الطابو أواخر 1872 رُفِض طلبهم،فتوجهوا للمحكمة الشرعية لكن النائب رفض الموافقة على صفقة البيع ورغم ابراز نائب القنصل البروسي لرسالة من المتصرفية تجيز فيه بيع اراض للأجانب الا أن النائب أصر على موقفه وأعلن أنه سيرفع الموضوع للمتصرف .
ان رفض المسؤولين المحليين الموافقة على صفقات بيع أراض للألمان جعلهم يستعينون بخدمات رعايا مسيحيين محليين مثل عائلتي الصيقلي وسويدان الذين اشتروا الأرض وسجلت باسمهم مؤقتا كوسطاء وسجل أيضا اسم المالك الألماني فوافق النائب على هذا الحل.
بدأت عملية بناء البيوت في أيلول 1869 حيث وُضع حجر الأساس لأول بيت من اثني عشر بيتا شُيدت على طول شارع الكرمل(جادة الكرمل فيما بعد).في ربيع 1870 دُشِن “بيت الجالية” الذي استعمل كمدرسة وكبيت عبادة قام بعملية البناء عمال عرب محليون وقام مهنيون مهرة من الألمان بالاشراف على العمل.في العام 1873 وصل عدد بيوت الألمان الى 31 بيتا منها عشرون بيتا يتبعها بيوت للخدم أومعامل صغيرة أو مخازن،وبلغ عدد السكان الألمان 254 .وحسب نفس المصدر،الكس كرمل،أصبح عدد السكان عام 1875 ، 311 وعددالمباني 85 ،وامتلكوا مطحنتي قمح وثلاثة آلاف دونم، وفي العام 1902 بلغ عددالسكان 517 وامتلكوا 92 بيتا سكنيا و95 مبنى خدمات.
صحيح أن حيفا كانت ستسير في ركب التقدم حتى لو لم يسكنها الألمان ودليل ذلك أنهم اختاروها لتكون أول استيطان لهم في فلسطين ،لكن ما من شك أنه كان لهم دور هام في نهضة المدينة وازدهارها في مجالات مختلفة وأهمها تطوير المواصلات ،فعربة الخيول لم تكن منتشرة تقريبا في البلاد ولم تكن هناك طرق ملائمة لهذه العربات،وكان سفر المسافرين ونقل الاحمال عن طريق البحر،أما النقل البري فكان على الدواب وكانت الطرق وعرة أو عبارة عن أزقة. وكانت بوابتا السور ضيقتين لم تتسعا لعربات الخيول العريضة ،فوُسّعت البوابتان في سنوات السبعين من القرن التاسع عشر ثم أُزيلتا فيما بعد .استغل الألمان هذا التفوق وبدأوا بنقل الركاب على خط حيفا عكا بعرباتهم التي كانت تقطع المسافة بثلث الوقت الذي تقطعها بها الدواب التي كانت تستعمل حتى ذلك الوقت.اغتاظ السكان المحليون لاغتصاب الألمان للقمة رزقهم،لكنهم سرعان ما لجأوا الى اقتناء عربات كهذه من صانعي العربات الألمان الذين ازدهرت صناعتهم ونافسوا سائقي العربات الألمانية ،وأدى هذا التنافس الى انخفاض أسعار السفر.في العام 1873 شق الألمان طريقا بين حيفا والناصرة.
ازدادت أهمية الهيكليين للخبرات التي كانت عند أفرادهم ،فلم يكن في البلاد مهندسون وحرفيون في النجارة والحدادة والخراطة في براعتهم،هم أول من استعمل الآلات في الحرف والصناعة وأول من أقام محال تجارية كبيرة ذات طابع أوروبي مما اضطر التجار المحليين الكبار الى تطوير متاجرهم التي كانت في السوق القديم.أما في مجال الزراعة فقد طوروا في السنوات العشر الأولى لوجودهم في حيفا زراعة الكروم واشتهرت صناعة الخمور التي صنعوها.وزرعوا الزيتون الذي صنعوا منه الصابون في مصنع متطور أقاموه في سنوات السبعين في حيفا والذي صُدِّر جزء كبير منه للولايات النتحدة والمانيا.
والواقع أنهم تحولوا تدريجيا من الزراعة الى الصناعة والتجارة في الثمانينيات من القرن التاسع عشر.

نظر الهيكليون الألمان للسكان المحلّيّين نظرة استعلاء ، وقد برز ذلك في تصرفاتهم وتصريحاتهم ،فقد اعتقد كريستوف باولوس من آباء الهيكليّين أنّه قبل التوجه التبشيري للسكان المحليّين (مسلمين ومسيحيّين) يجب أن يرتقوا الى آدميّين أولاً ، وأضاف أنّ الشّرقي يفهم بالقوّة والعنف فقط.
سمح الهيكليون الألمان لأنفسهم التعامل بفظاظة مع السّكان المحلّيّين لما حصلوا عليه من دعم نائب القنصل الألماني وممثلي الدول العظمى (باستثناء بريطانيا منافسة ألمانيا في الدولة العثمانية ،وفرنسا التي ضعف نفوذها بعد هزيمتها أمام بروسيا في حرب السبعين) في حيفا . زادت عجرفة الألمان وعنجهيتهم بعد زيارة ولهلم الثاني (غليوم) قيصر ألمانيا عام 1898 لحيفا .
انعكس صراع بريظانيا وفرنسا ضد المانيا في نهاية القرن التاسع عشر على العلاقة بين الألمان ورهبان الكرمل المحميّين من فرنسا،فقد توترت العلاقة بين الطرفين وحدثت مشادات كلامية وأحيانا مسلّحة، ووصلا الى وضع تهادن غير معلَن اقتسما فيه النفوذ ،حيث حصل الألمان على النفوذ السّياسي والاقتصادي ،والفرنسيون النفوذ الديني والثّقافي (مدارس، مؤسسات دينية ).
في العام 1887 شق الألمان طريقا الى الكرمل وبدأوا باقامة حي “كرملهايم” وانتهوا من بناء البيت الأول عام 1890 وهو بيت كلر القنصل الألماني (شارع كلر 2 اليوم) ،قرب مركز الكرمل .واستمر البناء كفندق شنايدر (جادة هنسي 109 اليوم )،كذلك بنى أثرياء الألمان بيوتا فخمة في هذه المنطقة من جبل الكرمل .
وصف دقيق للحي الألماني نجده في كتاب لورانس أوليفنت ” حيفا ” ، وهو مجموعة من المقالات عن أماكن مختلفة في فلسطين ، لكنه أطلق على الكتاب اسم حيفا لتعلّقه بهذه المدينة الصّغيرة .ورغم كونه غير موضوعي في كتابته بالنسبة للكرمليين والعرب سكان المدينة الأصليين ، نستطيع أن نستشهد به عن الحي لأنه عاش في حيفا ودالية الكرمل في السنوات 1882 – 1885 .
” الشارع الرئيسي في الحي الجديد (الكولونية الجديدة ) ينطلق بخط مستقيم من السّاحل ، على طول نصف ميل ، ويتسلّق السّفح مائة قدم تقريبا الى منحدرات الكرمل الصّخريّة .على جانبي الشّارع ممران تحيطهما الأشجار المظلِّلة ،وراءهما مبانٍ حجريّة بيضاء من طابق واحد أو طابقين معظمها ذات سطوح قرميديّة حمراء ، وكل بيت منها مُحاط بحديقة ،وعلى أعلى كل باب مدخل فيها كتابة محفورة باللغة الألمانية . هنالك شارع آخر أصغر موازٍ للشّارع الرّئيسي . نوّاب قناصل انجلترا ،الولايات المتّحدة وألمانيا ، كلهّم سكّان هذه الحي . في الحي طبيب واحد ، مصمم معماري ومهندس واحد كذلك فندق ممتاز ، مدرسة وقاعة مؤتمرات . الحكومة الألمانية كانت تتحمّل ثلثي تكاليف المدرسة وسكان الحي تبرّعوا بالثّلث . في الحي حانوت فيها كل ما يحتاجه السكان، كذلك طاحونة هواء وطاحونة بخار هي الآن في مرحلة البناء ومعمل للصاّبون الذي يُصَدّر انتاجه للولايات المتحدة بكمّيّات كبيرة “.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جولان تايمز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.