نبض الجذور للأديبة فاطمة صالح صالح … الجزء الاول والثاني والثالث

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 18 فبراير 2016 - 10:51 صباحًا
نبض الجذور للأديبة فاطمة صالح صالح … الجزء الاول والثاني والثالث


جولان تايمز

يسر موقع جولان تايمز أن يتابع نشر روايات الاديبة السورية فاطمة صالح وأن يقدم لكم رواية جديده من رواياتها (نبض الجذور )

صَدَرَتِ الرواية عام 2008م
عن (دارعَشتروت لخِدمات الطباعة والنشر. بيروت – لبنان )
الإهداء..
إلى ماريّا إيلينا … أمي…
فاطمة
______________________________________________
-إيزابيل…
عودي إلى ” تشيلي “…
ومرّي ” بالأرجنتين “…
زوري لي قبرَيّ جَدّي، وجَدّتي…
في ” الروخاس “…
قبّلي عني الترابَ الذي يضمّهما..
أو، الذي يرقدانِ تحتَه…
أرجوكِ، يا إيزابيل…
أبلِغيهِما رسالتي…
فقد يكونانِ جَدّيكِ، أيضاً…
فاطمة.. المْرَيقِب في /2/6/2007م
Isabel…
Te Ruego que vayas a Chile…
a La Argentina… pase que y
para saludar a mis abuelos…
que ya hase muchos anios que han fayesidos…
Estan en el cementerio de La ciudad de Rojas…
Pcia de Bs As…
Yrece por sus almas…
Porque pueden ser-en el mismo momento- tus abuelos…
_____________________________________________________
مَسَحتُ الغبارَ عن صورةٍ تسكُنني، منذ وَعيتُ على الدنيا، قبلَ نصفِ قرنٍ من محاولتي إسنادَها على ذلكَ الجدار..
الوجوهُ الثلاثة كانت تنطق.. مع أنّ جَسَدَيّ اثنينِ من أصحابها مَدفونانِ –منذ عِدّةِ عُقود – في بلادٍ بعيدة..
قد تكونُ هذهِ الصورةُ التي تسكنني، مَسحوبةً منذ عام /1947م/… في “استوديو ” من استوديوهات التصوير في “الروخاس ” إحدى المُدنِ التابعةِ لمحافظة ” بْوينوس آيرس “… العاصمة الأرجنتينية.. /ستوديو كورتي /…
هذه الصورةُ، تشبهُ – إلى حَدٍّ كبير – صورةَ طائرٍ، جَسَدُهُ أسوَد، وجَناحاهُ أبيضان..
كان عمرُ الشابةِ –آنذاك – ستةَ عشرَ عاماً.. وكان عمرُ أبيها الجالسِ على كرسيٍّ بينها وبين أمها، حوالي تسعة وخمسين عاماً… والأمّ في السادسة والخمسين…
الرجلُ يرتدي طقماً أسودَ، وقميصاً أبيض، مع كرافتّة منقطة… يمسِكُ بيدِهِ اليسرى أوراقاً.. أو، ربما دفتراً… يضعه على فخذه الأيسر… ينتعِلُ حذاءً أسودَ.. يُصالِبُ ساقيهِ عند الكاحِلَين…
ابنته تقفُ على يسارِه، واضعةً كَفها اليمنى على كتفهِ الأيسر… ترتدي فستاناً أبيضَ اللونِ، لهُ قبّةٌ مُغلقةٌ من الأمام، بزرٍّ لهُ سِلسِلةٌ معدنيةٌ رفيعةٌ مُزدَوِجة، تبدو كأنها عِقد، تربطُ الزرّ بالعُروةِ من الجانبِ الآخرِ لصَدرِ الفستان.. كُمّاهُ طويلانِ، ينتهي كلٌّ منهما بأسوارةٍ عريضة.. تظهرُ من تحتِ الكمِّ الأيسَرِ، ساعةُ يدٍ تحيطُ بمِعصَمِها… تنّورةُ الفستانِ واسعةٌ، تغطّي رُكبتيها، وتنزلُ تحتها بعِدّةِ سانتيمترات… ساقاها، شبه العاريتين، يغطّيهما، بشكلٍ شفّاف، جرابٌ من لونِ الجسم.. تنتهيانِ بقدَمَينِ تنتعِلانِ صَندَلاً مُغلَقاً من الأمام.. لكلِّ فردَةٍ لسانٌ من الجلدِ، يحيطُ بكعبِ القدَمِ من الخلف، ويُغلقانِ ببكلةٍ من المعدنِ، على الجانبين…
المرأةُ تقفُ على يمينِ زوجِها، تتأبّطُ ذراعَهُ اليُمنى… تلبسُ فستاناً طويلاً، أبيضَ اللونِ، مُقلّماً بخطوطٍ فاتحة، يرتفعُ عن الكاحِلِ عدّة سنتيمترات… تنتعِلُ حذاءً أسوَدَ، دونَ كعبٍ، وجراباً أسودَ، أيضاً.. كُمّا فستانِها طويلان، ينتهيانِ بأسوارةٍ رفيعة.. وقبّتهُ تخفي الصدرَ بشكلٍ كامل…
الثلاثةُ حاسِروّ الرؤوس.. المرأةُ ذات شعرٍ تظهرُ فيهِ بعضُ التجاعيدِ، تفرقهُ من منتصفِ رأسِها، وترفعهُ من الخلف.. والبنتُ ترخي شعرها الذي يشبه شعر أمها، على ظهرها، وفوق كتفيها.. غرّتها مرفوعةٌ عن جبينها عدة سنتيمترات لتزيد من جمال وجهها…
مُقدّمة رأس الرجل صَلعاء.. وبقية الشعر الذي يظهر على جانبيّ رأسِهِ تبدو بدون تجاعيد.. له شاربان يتصِلانِ بلِحيةٍ خفيفةِ الشعر،.. بشَرَةُ الرجل فاتحةٌ أكثر من بشرة زوجته وابنته، الحنطيّتين..
الكلُّ يحملُ مَشروعَ ابتسامة…

الجزء الثاني

( نبضُ الجُذور ).. الجزء الثاني
______________________

نهَضَ الرجلُ عن كرسيّهِ، وأخذَ يتكلّم :
-ما الذي تريدينَ معرفتَهُ، يا حَفيدتي الغالية..؟َ
-جَدّي.. جَدّيَ الغالي.. أولاً، أريدُ أن أمَتّعَ روحي بمُناداتِكَ “جَدّي “.. لأنني لم أقلْها لجَدٍّ حقيقيٍّ لي، أبداً..
-وثانياً، يا ابنةَ بنتي..؟!
-وثانياً، يا جَدي.. إنني أبحثُ عن الحقيقة، وأبدأ من مَعرِفةِ نفسي، وجذوري..
-هل تسمحينَ لي بالجلوسِ، قبل أن أبدأ..؟!
-تكلّم على راحَتِكَ، يا جَديَ الغالي.. لكن، باللهِ عليك، أخبِرني بكلِّ ما عَلِقَ في ذاكِرَتِك..
-حَسَناً.. اكتبي، أيتها الحفيدةُ العنيدة.. فأنتِ تشبهينني كثيراً..
***
قد يكونُ تاريخُ ميلادي، عام /1888م/.. وربما كنتُ أكبرَ من جَدّتِكِ بثلاثةِ أعوام..
أقول، ربما.. لأنهُ في ذلكَ الزمان، لم يكُنْ تسجيلُ المَواليدِ دقيقاً.. فقد كان الناسُ يُخفونَ أغلبَ مَواليدهم عن الحكومةِ العثمانية.. ناهيكِ عن أنّ المواليدَ كانوا يولَدونَ حيث يُداهِمُ المَخاضُ أمّهاتهم.. ربما في البرّية، أو في إحدى القرى التي هُجِّروا إليها، أو في أيّ مكان..
لكنني أعتقدُ أنني وُلِدتُ في قريتي نفسِها، التي وُلِدتِ أنتِ فيها، أيضاً، بعدَ حوالي خمسةٍ وستينَ عاماً..
كانتِ البلادُ تعيشُ حالةً من الفقرِ المُدقِع.. ومن مُلاحَقاتِ الدولةِ العثمانيةِ التي لا تنتهي.. ومنَ السّلبِ والنّهبِ وقِلّةِ الأمان، ما لايُمكِنُ لكم أنتمُ الأحفاد، أن تتصَوّروه..
كانَ هناكَ ” عِدْلٌ ” واحدٌ للقريةِ كلِّها.. ومِسَلّةٌ واحدة، أيضاً..
الموتُ، كان بالجُملة.. إمّا من الجوع، أو من المرَض، أو القتل، أو كلّ مايخطر على بالِكِ، أو لا يخطر..
أحياناً كان عَددُ الموتى في القرية، يتجاوزُ عَددَ الأحياء.. حتى أنّ الناسَ كانوا يحاوِلون تقطيعَ وقتِهم، حتى يطلعَ الفجرُ، ليدفنوا بقيّةَ مَوتاهم.. إمّا بالغِناء، العتابا، والمَواويلِ الحزينةِ، أو المُفرِحة.. أو بإلقاءِ النكَتِ على السامِعين.. أو باختراعِ ألعاب، وتسليات، تكفلُ لهم تحَمّلَ الوقتِ الثقيلِ، بأقَلِّ الخسائرِ المُمكِنة.. وفي الصباح، يحملون النعوشَ، ليدفنوها في قِمَمِ وسفوحِ الجبالِ القريبة..
انظري.. ما تزالُ بعضُ المَقابرِ حَيّةً، رغمَ زحفِ العمرانِ نحوها.. ” الرّوَيْسِة “.. ” الرّامِة “.. ” الصّفحَة “.. ” الضّهْر “.. وغيرها..
بعضُ البيوتِ خلَتْ تماماً من أهلِها.. وبعضُ العائلاتِ انقرَضَت..
لن أطيلَ عليكِ، يا جَدّي.. فلا ينقصُكِ مُنغِّصات..
-أرجوكَ يا جَدي.. أرجوكَ أطِلْ، فحديثُكَ يُشجيني، لكنهُ مُمتِعٌ وجميل.. لأنهُ صادِق..
-تُصِرّينَ، إذاً..؟!
-أرجوكَ، جَدي.. فكما قلتُ لكَ، إنني أبحثُ عن الحقيقة، وعن نفسي أولاً.. مَن أنا..؟! مِن أيّةِ جُذورٍ نبّتَت هذهِ الفروع..؟!

12717853_954624567958845_1837320488439438027_n

( نبضُ الجُذور ).. الجزء الثالث
_______________________

– في أوائلِ القرنِ العشرين.. وقد يكونُ عام /1907م/ تزوّجتُ شابّةً جميلةً من قريةِ ” الصّومعَة ” قربَ ” صافيتا “.. سَكَنتُ معها غرفةً حَجَريّةً، في قريتي.. أحبَبتها، وأعتقد أنها أحَبّتني.. فرغمَ فقري، كنتُ جميلاً.. ألا تلاحِظينَ ذلكَ، يا جَدّي..؟!
– وكيفَ لا ألاحظهُ، أيها العجوز الرائع، الذي أتمنى لو أوْرَثَني جَمالَ أصابعِهِ المَبسوطة على فخذهِ، في هذهِ الصورة، كما أوْرَثَني عِنادَهُ، وحِدّةَ بَصيرتِهِ، وحَنانَهُ المُفرِط..؟!
– لكنني أوْرَثتُكِ الطموحَ، أيضاً.. هل تنكُرينَ ذلكَ، أيّتها الشقيّة..؟!
– وحُبّ المُغامَرة، أيضاً.. والمزاح المُبالَغ فيه، لإخفاءِ هُمومي.. ألا ترى ذلكَ، أيضاً، يا جَدّي..؟!
– اصمتي الآن، ودَعيني أكمِلُ حديثي، فقد فتَحتِ قريحَتي على الكلام..
عندما أخبرَتني زوجتي أنها حامِل، كانت سعادتي تعادِلُ هَمّي.. من أينَ سأطعِمُ هذهِ الأسرة، التي بدأتْ تتشكّلُ، وأنا المسؤولُ الأوّلُ والأقوى فيها..؟!
وعَقدتُ العَزمَ على السفَر..
-وتتركني وحيدة..؟!
مَسَحتُ على رأسِها.. داعَبتُ خصلات شعرِها.. ونَهَضت :
-ليس أنا مَن يقبلُ أن يعيشَ، أو تعيشَ أسرَتُهُ، إلاّ أعِزّةً، مُكَرّمينَ، يا آمِنة…
أعِدُكِ ألاّ أطيلَ الغِياب.,.
-إنني أنتظرُكَ، أنا، وهذا..
وأشارَتْ إلى بطنِها المُنتفِخ قليلاً..
-ادعي لي، يا آمِنة..
-ألله يوفقك، ويحميك من شَرّ الظالِمين، يا صالح، ويرجّعَك لنا بالسلامة..
سَحَبَني إلى هناكَ، أحَدُ الذين سَبَقوني إلى الأرجنتين، من أبناءِ قريتي.. ومنذُ وُصولي، استدَنتُ مَبلغاً من المال، ورحتُ أشتري ” الطّرْشَ ” وأرعاه في المقاطعات الجبلية “مندوسا “.. “كوردوبة “.. “سان خوان “، وغيرها.. أسمن المواشي، وأعود لأبيعها في البازار، ثم أشتري غيرها.. وهكذا كنت أستطيع تأمين مصرفي الشخصي.. لكنني لم أستطع أن أرسل لزوجتي في الوطن، إلا الشيء اليسير..
عندما أخبروني أنني أصبحت أباً لطفل، أطلقت عليه
زوجتي اسم ” سالم “.. وكنا قد اتفقنا أنا وهي على تسمية المولود – إن كان ذكراً – بهذا الاسم – طرت من الفرح، فقد صار لي امتداد، حلمُ الإنسان الدائم بالخلود.. سارعتُ لاستدانة بعض النقود، وأرسلتها لها..كنت شديد الألم من أجل آمنة.. وها أنا أصبح شديدَ الألم والشوق والإحساس بالمسؤولية بشكلٍ مُضاعف، بعد مجيء ” سالم ” .. لكن، ما العمل..؟ فلم يكن بالإمكان، أكثر من الذي كان..
ضاعَفت جهدي، كي أستطيع تأمين مبلغٍ من المال، لأسحَب زوجتي وطفلي إلى عندي، فلم يعد الوطن يغريني بالعودة إليه، أو بالعيش فيه، وقد خرجتُ منه مقهوراً، حتى من إخوتي الذين تخلّوا عني وقت الحاجة.. ( وتدمع عينا الشيخ )..
-كيف، يا جدي..؟ أخبرني، بالله عليك.. ما الذي جعلك تزعل من إخوتك إلى هذه الدرجة..؟؟
-لا تتعبي نفسك، يا جدي.. فقد مضى ما مضى، وقد أمضيتُ عمري وأنا أدعو لهم الله، في صلواتي، أن يسامحهم، وأن يستبدل سيئاتهم، حسنات..
-وهذا ما يغريني أكثر، لمعرفة ما حصل..
-قلت لك يا جدي، أننا – ككل الناس في ذلك الزمان – كنا نعاني من فقرٍ، وقِلّ، وجوع.. وكنت قد زرعت حقلاً من القمح، وسيّجته أنا وزوجتي الحامل، مَنعاً لاحتمال أن ترعاه دوابّ الآخرين..وتستطيعين أن تقدّري ما يعني أن يذهبَ الموسم، الأمل الوحيد، في تلك الأثناء..
وفي مرة، ذهبت لأتفقد حقلي ذاك، وإذا بعدة رؤوس من الماعز، تلتهم الزرع الطري الأخضر، بنهم شديد، فجن جنوني :
-من ذلك المُستهتر الذي يتركُ دوابه تؤذي زَرعي..؟ أسرعتُ إليها، قفزتُ من فوق السياج، جمعتُ العنزات، وسقتها أمامي – حانقاً – إلى الزريبة.. زرَبتها، وأغلقتُ ” الصّيرِة ” عليها، وأعلنتُ على الملأ :
-من كانت له هذه العنزات، فليأتِ ليدفعَ لي ثمنَ ما آذته من حقلي، قبل أن أعيدَها إليه..
عرفتِ ذنبي، يا جدي..؟؟ كان ذنبي الكبير، أنني طالبتُ بحَقي، ممّن اعتدى على حَقي..
قال لي إخوتي :
-الماعز لبيت شيبان.. لا تعلق معه.. قد يؤذيك..
-يؤذيني..؟؟ أنا أطالب بحقي، وليس بشيء آخر..
وجاء شيبان :
-أطلِقْ ماعزي، وإلاّ آذيتك..
-لن أطلقها، قبل أن تعوضَني عما خرّبَته من زَرعي..
-أطلِقها، أو ترى ما لا تتمناه..
-وتهدّدني، بعد هذا..؟ لن أطلِقها دونَ حقي..
في اليوم التالي، كان الماكرُ قد جَمعَ عدداً من أقاربه، وكَمنوا لي على الطريق الذي أسلكه بشكل يومي، إلى حقلي، حاملين عصياً.. فاجأوني من كل جانب، ونزلوا بي ضربا بالعصي، وبشتائم، لا أدري كيف يحفظونها..
لم أستطع الدفاع عن نفسي، سوى ببعض ” البوكسات ” على وجه هذا، وظهر ذاك.


رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جولان تايمز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.