نتابع معكم نشر فصول نبض الجذور للاديبة فاطمة صالح من الفصل الرابع حتى الرابع عشر

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 21 فبراير 2016 - 3:41 مساءً
نتابع معكم نشر فصول نبض الجذور للاديبة فاطمة صالح من الفصل الرابع حتى الرابع عشر


جولان تايمز

نتابع معكم نشر فصول نبض الجذور للاديبة فاطمة صالح

الفصل الرابع

هربوا.. بعد أن أشبَعوني ضرباً، وشَتماً، وسباً.. وأنا وحيدٌ، أعزَل..
وعندما عُدتُ إلى بيتي، ورآني إخوتي على هذه الحال، قالوا لي :
– ألم نقلْ لكَ، لا تعلَقْ مع ناسٍ من هذا النوع..؟!
كنتُ أغلي من قهري، وإحساسي بالذلِّ والمَهانة :
– ليس أنا مَن يسكتُ على ضَيمٍ، يا إخوَتي.. سأنتقِم لحَقي، وكرامتي، فهَلاّ تؤازروني..؟!
– لا تعْلَقْ معهم.. سنشكوهم إلى المختار..
– إذاً، ستتخلّون عني وقتَ الشدّة..؟!
لم أنمْ تلك الليلة…
وفي الصباح، ذهبت بمفردي، حامِلاً عصايَ، وقهراً مُضاعَفاً، ودِماءً تغلي، طالبةً الإنتقام..
لكنّ الأنذالَ، كانوا قد توَقعوا انتقامي، فاستعَدّوا لمواجهتي، بقوةٍ، وعددٍ أكبر من الأوّل.. وأنا بمُفرَدي.. فانهالوا عليّ ضرباً، وشَتماً، حتى كادوا يقتلونني..نتَفوا لحيتي، التي كنت أعتزّ بها، كعربيّ مُسلم.. ولم أستطع النيلَ منهم، إلاّ الشيء اليسير، مما زاد من شعوري بالذلّ، والهَوانِ، والقهر من إخوتي الذين تقاعَسوا عن نصرتي وقت الشدّة، مُدّعين أنهم سيتبعون الطرق القانونية…
( سنشكوهم إلى المختار…)…
وماذا سيقعل المختار..؟!
هل أنتظر أن يحلّ المُختار محَلّ ردّ فعليَ الطبيعيّ، الفِطريّ، للدفاعِ عن نفسي، وحقوقي،وكَرامتي..؟!
هل يجوز ذلك.. وأنتم تعرفون ” عَدالةَ ” ذلكَ المختار الذي سَلّطته علينا الحكومةُ العثمانية..؟!
-آه.. يا جدي.. ذكّرتني بحالِنا اليوم.. نكَأتَ جراحي التي لم، ولن تندمِلَ، أبداً.. فأعمق الجراح، تلك التي يُحدِثها الأحبة.. ولا أظنها تندَمِل…
-تعبتُ، يا جدي.. دَعيني أسترِح قليلاً، قبل أن أتابع التذكّر.. فأنا، حتى الآن، وبعد كل هذه السنوات التي مضت على مغادرَتي دنياكم، ما تزال تُدمي قلبي بعضُ الذكريات.. وهذه من أكثرِها إيلاماً..
وعاد الرجلُ ليستريحَ على ذلك المقعد.. أو أنهُ توَسّدَ ذراعَ زوجته،ونامَ قليلاً، قبل أن يستيقظَ، ويتابع :
-أظنكِ الآن عرفتِ أسبابَ حزني، يا جَدي..
-معكَ حق يا جدي.. أنا التي أعرف.. الغربةُ في الوطن.. الغربةُ بين الأهل، هي أقسى أنواعِ الغربة.. وأنا أعذركَ جداً.. فأكمِلْ حَديثك، لو سمحت..

الفصل الخامس

ضاعَفت جهدي، كي أؤمّن من المال ما يعينني على شراء – حتى غرفة واحدة – أسكن فيها مع زوجتي وطفلي، وعند ذلك، سوف لن أتردّد لحظةً في إخراج تلك المسكينة وطفلها من هذا الوضع القاسي..
كانوا يقولون لنا، أن المُهاجر سيغرفُ الذهبَ بيديه، عندما يصل إلى تلك البلاد، لكننا ذقنا الأمَرّين، كي نؤمّنَ لقمةَ العيشِ الشريفة، وكثيراً ماكُنا نعاني من التمييز العنصريّ:
-( توركو.. خرا.. خرا..)
عِدّة سنوات، يا جدي، ولم أستطع تأمين مايزيد عن قوت يومي، واليَسيرَ اليسير، مما أستطيع إرساله إلى زوجتي وطِفلي..
لكن……………..
وفي يوم من الأيام، جاءتني رسال، تخبرني أول خبر مُفجِع.. لم يلبث أن تَلاه الخبرُ الأفجَع الثاني.. موتُ طِفلي، وموت تلك المسكين زوجتي الشابة الجميلة، قهْراً عليهِ، بعد عِدة أشهر..
الآن.. انقطَعتْ صِلتُكَ بالوطنِ، تماماً، يا صالح..
الآن، صِرتَ غريباً،حتى عن ذاتِك..
12717853_954624567958845_1837320488439438027_nوحيداً.. في غربٍ لا تعرف الرحمة..
ماذا ستفعل الآن..؟!
هل تعودُ إلى الوطن..؟! ولماذا تعود..؟!
بل، ومن أينَ لكَ ” الناوْلون “..؟!
شعرتُ بالتمَزّق، لكنني عدتُ وتماسَكتُ، نتيجةَ إيماني باللهِ تعالى، وأنهُ ” لا يَقنطُ من رحمِ اللهِ إلاّ القوم الكافرون ” و ” إنّ اللهَ مع الصابرين ” وأنّ الذي بَلاني، سيعينني.. فاستعَنتُ بالصّبر والصّلاة…
ذكاءٌ متوقّد، تتمتع بهِ، يا صالح.. وإيمانٌ مُطلَقٌ باللهِ تعالى..
شَبابٌ طَموحٌ جَموح، يهزأ بالمُستحيل.. بلادٌ، سيجد المُحنكُ النشيط فيها، عملاً، أو أعمالاً، تدرّ عليهِ – ولو بالتقتير – الرزق الذي يكفلُ له العيش الكريم..
إذاً.. هل تقنعُ بالهَلاك.. والحياةُ مِنحةٌ ربّنية، العمل على تحسين الأحوال فيها، من أهَمّ العِبادات..؟!
لن أعودَ إلى بلدي خائباً.. لن أشَمِّتَ بي مَن ظلموني.. فالحياةُ كرامة، قبلَ أن تكونَ لقمَةَ عَيش…
وقمتُ من مِحنتي…
***
لم أترك عملاً شريفاً أقدرُ عليه، إلاّ واشتغلتُ به.. زراعة، حَصاد، جَني الذرة، تسمين المَواشي وبَيعها في ” البازار “، تصليح بعض الآلات البسيطة، مَتجَر صغير أبيع فيه كلّ مايخطر على بالِك،مما يحتاجه الناس، وأعمالاً كثيرة، كانت تدرّ عليّ المالَ الذي يكفلُ لي العيشَ الكريم.. وكلما توَفر معي مبلغ زائدٌ عن حاجَتي، كنتُ أرسله إلى أهلي وأقاربي في الوطن…
كما أنني أسّستُ جمعيةً أعضاؤها من المُغتربين العرب.. جَعلتُ مَقرّها في بيتي.. تهتمّ بشؤونِ المُغترِبين، تحاولُ مساعدتهم على حَلِّ مشاكلهم، ونتابعُ أخبارَ الأهلِ في الوطن.. نحاول مساعدتهم قدر الإمكان.. و- خلال الثورة – كنا نجمع الأوال لدعم الثورة والثوّار، والأهالي الفقراء المُدقِعين، ونسلّمها لبعضِ الرجال الذين كانوا يأتون من الوطنِ لهذا الغرَض..

الفصل السادس

تنقّلتُ في أماكن كثيرة من الأرجنتين، مما أكسبني خِبرة كبيرة.. لكنّ أغلب معارفي كانوا من المغتربين العرب..
مازلت أذكر – وبكل وضوح – حادثة، لا يمكن أن تغرب عن ذهني، مَرّت معي في ذلك الزمان..
مرّة، كنت أسرح بخرافي، في إحدى المقاطعات الجبلية، أحمل وعاء ماء للشرب، وخبزاً، ومَتّة، وبعض الطعام المعلّب، وزجاجة يود لتعقيم الجروح..
كنت بمفردي هذه المرة.. في مرات كثيرة كنت أصطحب رفيقاً، لأنّ الأمن قليل هناك، والسلامة غير مضمونة، والجريمة ليست نادرة الحدوث.. لكن، ما كان يطمئنني، أنني غريب، لا لي.. ولا عَليّ.. قليلاً ما يعرفني أحَدٌ، أو أعرف أحداً، والفقر واضح عليّ.. فما الذي يدعو أحداً للإعتداء عَليّ..؟! لكنني، للحيطة، كنت آخذ معي سكيناً، أخفيها في ثيابي، أستعمِلها لقطع بعضِ الأغصانِ، لأهشّ بها على دوابّي..
اقتربتُ من أماكن سكنية.. رأيتُ بيتاً مُنفرداً، وسمعت شِجاراً حادّاً يجري بين رجُلين، لم يلبث أن انضمّ إليهما ثالث…
راقبتُ الموضوع عن بُعد، لكنني توَفّزتُ – بدِماءِ العربيّ الشهم، الذي لا يستطيع الوقوف مكتوف الأيدي، وهو يرى اعتداءً على مَظلوم -.. مع أنني لم أكنْ أعرف الظالِمَ من المَظلوم.. لكنني رأيتُ اثنين من المُتشاجِرين يضربان الآخرَ بوَحشيّةٍ أرعَبتني، واستنفرَت إنسانيّتي…
12717853_954624567958845_1837320488439438027_nاقترَبتُ، وصرخت بهِما.. لكنهما هَدّداني، إن تدَخّلتُ…
كان صاحب المَحَلِّ وابناهُ يراقبون الحادثة، كأنها شيءٌ عاديّ… وفي آخر المَطاف، ضرَب أحَدهما الرجُلَ بآلةٍ حادّةٍ في بَطنهِ، وهَرَبا…
صَرَخَ صَرخةً قاتِلة، وسَقطَ على الأرضِ، مُضَرّجاً بدِمائهِ، وأمعاؤهُ نافرة خارج بطنه..
أسرَعتُ نحوَ الضحية، عَلّي أستطيعُ مساعدته.. بينما أغلَق أصحابُ المَحَلّ دكّانهم، وأقفلوهُ من الداخل.. خافوا من أن يُتّهَموا بالفِعلِ، عندما تأتي الشرطة…
وبسرعةِ البَرقِ، نادَيتهم – عندما رأيتُ خطورةَ جرحِ الرّجل – ورحتُ أطرقُ على بابِ المحلّ :
-إن لم تفتحوا، سأخبرُ الشرطة أنكم أنتم الفاعِلون..
كَرّرتُ لهم تهديدي ووَعيدي.. ففتحوا الباب…
طلبتُ منهم أن يُحضروا ماءً، ويساعِدوني في إنقاذ الرجل..
أحضروا الماءَ، وبعضَ الخرق النظيفةَ من بيتهم..
غسَلتُ جُرحَ الرجلِ، بكلِّ ثقةٍ، وقوّةِ قلب… سَكَبتُ زجاجةَ اليودِ كامِلةً فوق بطنهِ المَفتوحِ، ثمّ تناوَلتُ من جَيبي إبرَةً لخياطةِ القِماشِ، وخيطاً مَتيناً.. جَمَعتُ أمعاءَ الرجلِ النظيفةَ والمُعَقّمة، وأدخَلتُها في بطنهِ، وخِطتُ الجلدَ عليها، ثمّ لَففتُ البطنَ بالكامِلِ، بالخروقِ النظيفةِ التي أحضَرَها أصحابُ المحلّ..
قرأتُ عليهِ بعضَ الآياتِ القرآنيةِ، وبعضَ الأدعِية.. وأمَرتُ أصحابَ المحلِّ أن يحملوه إلى بيتهم، وأن يعتنوا به، إلى أن يشفى.. وكَرّرتُ تهديدي، إن لم يفعلوا، فسأخبرُ الشرطة أنهم هم المُعتَدون..

الفصل السابع

جَمَعتُ دوابّي، بعد هذا اليوم المُرعِبِ، الشاقّ.. وعُدتُ بها إلى الحظيرة..
لم أستطع النوم من كثرة الكوابيسِ التي تداخَلَت في رأسي.. كان تفكيري بالرجلِ الجريح، أكثر بكثير من تفكيري بسببِ المُشكلة.. وهل ستنجحُ تهديداتي وتوصِياتي بهِ، أم لا..؟!
وعندما غفوتُ، راحَت أحلامي تتكسّرُ على دروبِ قريتي البائسة، وفي وديانها، وتِلالِها، وحقولِها، التي لم تنعَم بالراحةِ من الظلم، والقهرِ، لحظةً واحدة، منذ وَعَيتُ أنا وأبي وجَدّي وجَدُّ جَدّي، وقبلهمُ الكثير، على هذه الدنيا..
فكّرتُ بزوجتي البائسة، التي ماتتْ من قهرِها على طِفلِها.. وحاوَلتُ أن أتصَوّرَ مَلامِحَ ابني.. تصَوّرتُهُ يشبهني كثيراً.. لكنني عُدت، وأصرَرتُ على أنّ وَجههُ كان يشبهُ وَجهَ أمهِ الجميلة، رغمَ نحولِها…
مَسَحتُ دموعاً، لم أحاولْ مَنعَها :
-لا حَولَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العليّ العظيم..
وقمتُ للصلاة…
***
12717853_954624567958845_1837320488439438027_n-225x300لم أجرؤ على الذهابِ في نفس الطريق، إلاّ بعدَ حَوْلٍ كامِل.. فكّرتُ كيف أن خِرافي كانت تشبع بسرعةٍ أكبر، عندما أصعَد بها تلك الجبال الخضراء..
توكّلتُ على الله، ومشيت…
صادفتُ رجلاً قريباً من أول بناء ظهر عليّ.. لم أكترث.. حَيّاني الرجل :
-( بْوين دِيّا..)…
-( بوين ديّا..).. وتابَعتُ سَيري…
لكنني لاحَظت أن الرجل توقّف، وأخذ يتفحّصني بكثيرٍ منَ الدِّقة…
خِفتُ.. أسرعتُ أكثر.. فكّرتُ بأكثر من طريقةٍ للدفاعِ عن نفسي.. لكنّ الرجلَ الذي تأكّدَ من هُويّةِ ذلك ( التوركو ) من خلالِ لِحيتي الطويلة الناعِمة والمُشذّبة، ومَلامِحي المُختلفة قليلاً.. هَجَمَ عَليّ، واحتضنني، قائلاً :
-أنتَ..!! أنتَ إذاً هو..!!
دَفعتُهُ بقوّة :
-ابتعِدْ عن طريقي.. ماذا تريدُ مني..؟!!!؟
أمسَكَ بيدي التي امتدّتْ إلى سكّيني.. بادَرَني بابتسامةٍ، ووَجهٍ مُحِبٍّ، وقبلاتٍ، وعِناقٍ حارّ…
-مَن أنتَ يا رجُل..؟!
-مَن أنا..؟!! (وكَشَفَ لي عن بطنهِ الذي ظهَرَتْ عليهِ آثارُ الجِراحِ المُلتئمة )…
-أنا الذي، أنتَ، بعدَ اللهِ، أنقذتَني من الموت، العام الماضي…
أنا الذي أدينُ لكَ بحياتي…
دَعْني أقبّل يدَيك…
سَحَبتهما، وأنا أقول :
-الحياة، والموت، من عندِ اهِ وَحده.. ألهُ هوَ الذي أحياكَ، يا رَجُل.. الشكرُ لهِ وَحده…
***
سبعةَ عشَرَ عاماً، بقيتُها في تلكَ الغربة، لم أفكّر- خِلالَها – بالزواج، إلى أن سَمعتُ أنّ ” سَكينة ” صديقة الطفولة، التي كنتُ مُعجَباً بها، وبذوقِها، وأخلاقِها، إلى حَدٍّ كبير، قد ترَمّلَتْ، أيضاً…
لا أكتمُكِ سِرّأً، يا ابنتي، أنني كنتُ أقضي الليالي وأنا أفكر بحالي وحالِها.. أتذكّرُ طفولتنا سويّة، واحترامَ وتقديرَ كلٍّ منا للآخر.. كنتُ أزينُ الأمور، أقلّبها في كلّ الإتجاهات، إلى أن توَصّلتُ إلى قرارٍ لا رَجعَةَ عنه.. وتعرفينَ جَدّكِ، إذا اقتنعَ بشيء، فسيعملُ كلّ ما يستطيعُ لتحقيقِ هَدفه..
-أحمدُ اه. ، أنني مثلكَ في هذهِ، أيضاً، يا جَدّي…
-الحمد له… التفكيرُ السليم، والإرادَةُ التي تهزأ بالمُستحيل، من أهَمِّ أسبابِ النجاح، يا جدي…
المُهِم، أنني صَمّمتُ –أخيراً – على العَودةِ إلى الوطن، بعدَ أن أجمَعَ قدراً كافياً من المال، وأعرض على جَدّتِكِ الزواج.. وكان عندي حّدْسٌ لا يُخطئ، أنها ماتزالُ تحبني، وتحترمني، وتثقُ بي.. كما هيَ بالنسبةِ لي.. فقد كانت إنسانةً مُحترَمة، وابنةَ أصول…
جَمَعتُ أغراضي، ورَكبتُ الباخرةَ، عائداً إلى الوطن، على هذا الأمل…
وفي البرازيل، استقبَلَني أحَدُ مَعارِفي، وقالَ لي، مُستغرِباً :
-بعِلمي أنكَ قرّرتَ عدم العودة.. فما الذي جعلك تغيّر رأيك..؟!
-اشتقتُ إلى الوطنِ، يا صديقي…
-اشتقتَ إلى الوطن..؟! أم إلى بيت الشيخ غانِم..؟!
-كلَيهِما معاً…
لم تزعجْني ملاحظته الصادقة.. وكنتُ صريحاً معه.. فوُجودي بينَ أهلي، لا يُعادِلُهُ وجودٌ في العالَم.. والغربةُ تبقى غُربةً، مهما أطلَقنا عليها من تسميات…
( أهلَكْ..!! ولا تَهلَكْ….. ولَو دَبّوك بالمَهْلَك…)

الفصل الثامن

كانت عَودتي إلى الوطن، عام 1925م..لأجدَ الأحوالَ من سيّءٍ، إلى أسوأ.. فقد رَحل العثمانيون، وجاءَ الفرنسيون.. استُبدِلَ مُستعمِرٌ بآخر..
كان حالُ أهلي قاسياً للغاية..
أخي محمد، كان قد توفيَ منذ سنوات.. كانَ كريماً جداً، وذا طبعٍ مَرِحٍ، وصوتٍ جميل.. كان طيّبَ القلبِ، وحنوناً، وشَهماً للغاية.. شارَكَ في المعاركِ ضدّ العثمانيين، ومن بعدهم، الفرنسيين.. كان أبيّاً، لا يقبَل الضّيم.. لكنّ الحروبَ، والفقرَ، والجوعَ، والظلمَ، والقهر.. كلّ هذه العوامل، كانت سَبباً في جعله يشرب الخمرةَ، لينسى همومَه بعضَ الشيء.. لكنه لم يلبث أن مرضَ مرضاً شديداً، وتوفي.. تارِكاً زوجته “خديجة ” وابنتَيه.. “فضيلة ” و ” سعيدة ” وابنه الذكَر الوحيد “زكَريّا “…
كما كان قد توفيَ أيضاً، أخي الثاني “علي “.. ذلكَ الشاعر الصوفيّ المُناضِل النبيل.. الذي كان يحتفظُ بكُتبٍ تراثيةٍ قيّمة.. تبحثُ في علومٍ كثيرة.. من علوم الفلَك، إلى علوم الصحةِ البدَنيةِ، والنفسية، إلى علومِ اللغةِ، وعلومِ الدينِ، والقانونِ، والعلومِ الطبيعيةِ.. وغيرها…
12717853_954624567958845_1837320488439438027_n-225x300كانت هذه الكتب، هي كل ما استطاع هو، وأسلافه، إخفاءها عن المُستعمِرين، الذين أحرَقوا الكثيرَ من الكتبِ التراثيةِ، أو أغرَقوها، أو عَبَثوا بمُحتوَياتها..
لكنّ بعضَ المُتنوِّرين، الغيارى على التراث، وعلى الهُوية، ومَصلحةِ الناس، استطاعوا أن يحتفظوا بالقليلِ القليل من هذه الكتب القيّمة.. لأنهم أدرَكوا قيمَتها، وخطورةَ فَقدِها، أو إتلافِها…
المهمّ، ياجَدّي، أنّ أخي “علي ” كان قد ترَك زوجتهُ، وابنتَه الوحيدة “حليمة “..بقيتا تسكنانِ في ذلكَ البيتِ الحَجَري، الذي هُدِّمَ، وأُحرِقَ عدة مرات، عندما هَدّمَ الغزاةُ، وأحرَقوا القريةَ كلّها، والكثيرَ من القرى في الوطن.. فأصبحت أرمَلتا أخوَيّ، وأبناؤهم تحت حِمايةِ، ورِعايةِ جَدِّكِ “الشيخ مَجيد “، وحدهُ الذي بقيَ – كما ترَين – من إخوَتي، على قيدالحياة.. بالإضافةِ إلى أختي “كاملة “…
تستطيعينَأن تقدّري، يا جَدّي، حَجمَ الضغطِ الذي كانَ يعانيهِ جدّكِ “الشيخ مَجيد ” وعائلته، ومَن تبقّى من عائلتيّ أخَوَيهِ المُتوَفين..

كانتِ الثورةُ التي قادَها المَغفور لهُ – بإذنِ الله – “الشيخ صالح العلي ” قد أُخمِدَتْ منذ سنواتٍ قليلة، وتعرفينَ أنّ جدكِ “الشيخ مَجيد ” كان “عَقيداً ” فيها.. وأنهُ كان آخرَ مَن ألقى السلاح.. وبالتأكيد، سمعتِ، أو قرأتِ عن شجاعتهِ، وبطولاته…
-طبعاً، يا جَدّي.. سمعتُ، أكثرَ مما قرأتُ…
سمعتُ ذلكَ من فمِ جَدّتي “حليمة ” “أم عادِل ” ومن الكثيرين ممّن عاصَروه…
كانت جدتي تكشفُ عن صَدرِها المُتعَبِ، لتُرِينا أثرَ شَظيةٍ أصابَتها إبّانَ القصفِ الإستعماريّ الفرنسيّ الغاشِمِ، على القرية…
فقد حَكَت جَدتي –من ضمنِ ماحَكَت – كيف أنّ جَدي “الشيخ مجيد ” استطاعَ، مع اثنينِ – فقط – من الثوّار، أن يتسَلّقوا جَبَل القْلَيعات، ويُشَكِّلوا أجسادَهم بالرّيحان، ويُفاجِئوا “رِسّاك” بعَتادِهِ، وعدّتِهِ، من الآلياتِ والجنود الذين كانوا يقصفونَ القريةَ من أعلى جبل القليعات المُقابِلِ لها.. ويُرَوِّعونَ، ويقتلونَ النساءَ، والأطفالَ، والشيوخَ العُزّل.. أما الشباب، فكانوا جميعاً ثوّاراً.. كلٌّ بطريقتِه، وحسبَ استِطاعَتِه…

الفصل التاسع

تستطيع قريتنا الغالية “الخصيبة ” أن تفخر بصمودها، يا جدي.. فرغم الفقر، ورغم الحرق، والقهر، والتجويع، والترهيب، والمداهمات، ومحاولات الإعتداء على الأعراض، لم يكن في قريتنا الغالية (الخصيبة ) أي عميل، ولا ساكت على ظلم…
-لا تنسي النساء، يا جدي.. هل غفلت عن بطولات النساء في بلادنا..؟ فأنا أفخر بأختي “أم أحمد كاملة ” فقد أخبروني أنها كانت ترتدي لباس الرجال، وتحمل سكينا، منجلا، وتعبر الوديان والغابات، والجبال، في الليل والنهار، لتنقل الرسائل والطعام والماء إلى إخوتها الرابضين مع الثوار في تلك الأماكن.. كانت أشجع من الرجال…
ثم، انظري إلى مقبرة “الصفحة “..هناك دفنت إحدى البطلات اللاتي كن ينشدن الأناشيد الحماسية، ويسقين الثوار، ويزغردن لهم، ليشددن من عزيمتهم على رد العدوان.. هناك ترقد بطلة من وادي العيون، كانت تصيح بالبوارج الحربية الفرنسية، التي تقصف من البحر.. تدق على صدرها، وتتحداهم أن يقتلوا روح هذه الأمة الأبية :
-اضربوا.. اضربوا.. اضربوا…
فارتقت شهيدة، هي وأبوها.. ودفنا مكان استشهادهما…
-آه… ياجدي.. يالها من أيام..!!
فقد استطاع جدي “الشيخ مجيد ” ورفيقاه، أن يفاجئوا “رسّاك ” ويصدّوا الحملة الفرنسية، ويقتلوا العديد من الجنود الفرنسيين المُعتدين، ويُلاحِقوا البقيّة.. إلى أن استطاعوا أسرَ العديدِ منهم، رغم مُحاوَلاتهم الإختفاء عن أعينِ الثوار، بين الأهالي، مُعتمِدين على دَعمِ بعضِ ضِعافِ النفوس…
-المهم، يا جدي.. لأكمِل لكِ…
كان أخي “مَجيد ” والأسرة كلها، في حالةٍ لا يُحسَدون عليها.. فقد أخذ على عاتقهِ حِماية ورعاية زوجة أخيه “علي ” وابنتها.. وزوجة أخيه “محمد ” وابنتيها، وابنها.. تعَهّدَ الأسرتين بالرعاية والحِماية.. وزوّجَ “حليمة ” من ابن عمها “زكريا “.. كانت شابة جميلة وذكية.. وكان شاباً خلوقاً جداً، لكنه ضعيف البُنية.. واختارت كل من ابنتيّ أخيه “سعيدة ” و “فضيلة ” زوجَين على ذوق كل منهما.. لكن الأم اختارت أن تبقى في بيت جدك، وتحت حِمايته.. وكانَ بيتُ جدك، مايزالُ مِحَجّةً لكلِّ طالِبِ حاجَة، ولكلِّ وطنيٍّ حُرّ، من كلِّ الطوائفِ والإنتماءات… كانوا يثقون بهِ ثقةً مُطلَقة.. فهوَ وحدَهُ الباقي من عائلتنا التي توارَثَتْ سِلكَ القضاءِ غير الرّسميّ، والدفاعَ عن حقوقِ المَظلومين.. فكانَ ينالُ ثقةَ الظالِمِ والمَظلوم على حَدٍّ سَواء.. اسألي كلّ مَن عاصَرَهم…
-ومَن لم يُعاصِرهم، فقد سَمعَ عنهم من آبائهِ وأجدادِهِ، يا جَدّي.. لا تخَفْ على الحَق.. فصاحِبُ الحَقِّ سُلطان، كما يقولون.. ونورُ الشمسِ، لا يستطيعُ أحدٌ أن يحجبه بغِربال.. فبعدَ وفاةِ جَدّي، ظلّت “أم أحمد ” العجوز الأرملة التي التجأتْ، يوماً، إليهِ، ليحميَها وليُنصِفها من “بيت أمين ” أقارِبِها ذوي النفوذ العَشائريّ، والذين كانَ لهم باعٌ طويلٌ في التجَسُّسِ لصالِحِ الفرنسيين، عندما تقاطَعَتْ مَصالِحُهم الخاصّة، معهم.. كانت تبكي بمَرارةِ مَن فقدَ كلّ أمَلٍ في الحياة، وتتمَرّغ فوق تُربَتِه، تأخذ “كَمْشَةَ ” تراب

الفصل العاشر

______________________

تخفيها عن أعينِ الشامِتين.. تضعها في زجاجةٍ، تملؤها بالماءِ النظيف، وتشرب كلّ صباح، وتسقي منها أبناءها الذين ( تَيَتّموا مَرّتين ) كما كانت تندبُ، تحت سِياطِ شَماتةِ وتهديدِ أقاربها الذين قالوا لها :
-أين؟ أين تذهبينَ الآن، أيتها الشمطاء..؟؟ لقد مات.. مات.. وشَبِعَ مَوتاً، مَن كانَ يحميكِ….!!!
عُمِّرَتْ “أم أحمد ” إلى مافوقَ التسعين، ولم تنسَ، يوماً، فضائلَ “الشيخ مَجيد ” وزوجتِهِ الحَنونة “أم عادِل “…
كانت تبكي كلما رأت أيّ شخصٍ من عائلتِنا، وتقولُ، بصَوتٍ خفيضٍ، خوفاً من أن يسمعها أحدٌ من عائلة “بيت أمين ” الذي لم يكنْ- يوماً – حريصاً، سوى على مَصالِحِهِ الخاصّة :
-(أله_ يرحم تراب اللي نزل عليك، يا شيخ مَجيد )…
تضمّنا وتبكي، وهي تتلفّتُ حَولَها، خوفاً من أحدٍ ما :
-(إبن الأصل، بيضلّ إبن أصل، يا بَيّي… اللّي جَرى لهالقَرعَة، ما حَدا بيعرفو، بعد أله ، غير جدّكن، وستّكن…. الدنب الأعوَج عمرو مابيصير مقَوّم، حتى لو حَطّوه بالقالب ميّة سنة… أله_ يحميكن، يا بَيّي.. ألهَ يرحَم أصلكن..)
إنني أتشرّفُ بانتمائي إليكم، يا أسلافي.. أيها الشرَفاء العادلونَ الشجعان…
-لكن، يا ابنتي، لا يكفي أن نكونَ شجعاناً، كي نستطيعَ الدفاعَ عن حقوقِ أهلِنا، وأوطانِنا، في الحياةِ الحُرّةِ الكريمة… لا بُدّ من سلاحٍ مادّيٍّ قويّ، يدعَمُ الأسلحةَ المعنويةَ، ويحميها…
-لا تقلْ ذلك، يا جَدّي.. ففي هذا الزمان، يعتبرونكَ “إرهابياً “… كيف تطلبُ قوّةَ السلاح، إلى جانبِ قوّةِ الحَقِّ، والشجاعةِ، للدفاعِ عن النفسِ، والأهلِ، والوطن..؟!! في هذا الزمان، رأسُكَ، ورأسُ أمثالِكَ، هو المَطلوبُ الأوّلُ من قِبَلِ الغزاةِ، يا جَدّي….
” يبتسِمُ الشيخُ، ويهزّ رأسَهُ، ساخِراً.. ”
-أحمدُ اهَ_ أنني مِتُّ من زمان…
-وتضحكُ، أيضاً، يا جدي..؟!
-“شَرُّ البَليّةِ، ما يُضحِك..”
-أرجوكَ أن تُكمل، أيها العجوزُ الرائع…
– أحبَبتُ أن أخبرَكِ عن حالةِ جَدّك، والعائلة، والوطن، كي تفهَمي السببَ فيما سأرويهِ لكِ، لاحِقاً..

الفصل الحادي عشر

-أكمِل، باللهِ عليك..
-كانت فرنسا قد رَسّختْ أقدامَها في البلاد.. وكانَ قهرُ جَدّكِ “الشيخ مَجيد ” لا يُحتمَل، وهو يرى كلَّ ما دافعَ عنهُ، هوَ وباقي الثوّار، قد أصبَحَ تحتَ سيطرةِ الغزاة.. وأنّ التضحيات قد ذهَبت سُدى.. كان الجنود الفرنسيون قد بنوا بيوتاً من حِجارةِ القريةِ البُركانيةِ السوداء، وتمَركَزوا فوقَ جبلِ (الخَصيبَة ) قلعة الثوّار، التي منها ومن أبطالِها انطلَقتْ الرصاصةُ الأولى ضدّ الغزاةِ الماكِرين، الذينَ أرادوا أن يجعلوا من قُرانا مَعبَراً لقوّاتِهم من الساحلِ، إلى الداخل، والعاصمة دمشق، وبيروت، وغيرها من أجزاءِ الوطن.. والبحر.. تعرفين البحر.. فمنهُ، وعَبره، يستطيعون إمدادَ قوّاتهم بالمزيدِ من الدّعمِ العسكَريّ، من أسلحة، وجنود، وعتاد.. إلخ..
وعندما ثارَ الثوّارُ، استنكاراً، ورَفضاً لأن يكونوا مَطيّةً، أو مَعبراً للغزاة، لقتلِ أهلِهم، في الشمالِ، أو الشرقِ، أو الجنوب.. قاتَلَهمُ الغزاة…
-لاتشرحْ لي يا جَدّي.. فأنا أعلَمُ – ربما- أكثرَ ممّا تعلَم عن تلكَ الأيام، من أحاديثِ جَدّتي “أم عادِل ” رحمها الله، ومنكلِّ مَن عاصَرَ تلكَ المرحلة.. فقد حاوَلَ الغزاةُ تقسيمَ الوطنِ، جغرافياً، وفئوياً، ومَذهَبياً، ليسهلَ عليهم ابتلاعُهُ قطعةً، قطعة.. وأن ينصّبوا على كلّ فئةٍ، أو منطقةٍ جغرافيةٍ، زعيماً، يدعَمونهُ بكلّ ما يرغبُ من مالٍ، وجاه، ليسَهِّلَ لهم مَهَمّتهم الدنيئة.. لكنّ (الشيخ صالح ) كان من ضمنِ القادةِ المُتنوِّرين الحاذقين – كما تعلم – فلم يقبلْ إغراءاتهم، ورفضَ أن ينفصِلَ ساحِلُ البلادِ عن داخِلِها..
كانتِ الثورةُ في الساحِل، على اتصالٍ دائمٍ مع باقي الثوراتِ في الوطن.. كانَ جدي “الشيخ مَجيد ” من ضِمنِ رُسُلِ الشيخ صالح، إلى الزعيم (ابراهيم هَنانو ) وإلى غيرِهِ من القادَة، للتنسيقِ فيما بينَ الثوّار… الحديثُ يطولُ، يا جَدّي.. لكنني سأختصِره، وأكتفي هنا بما قالَهُ الشيخُ – من ضِمنِ ما قال – في أشعارِهِ الخالِدة :
( بني الغرب، لا أبغي من الحرب ثروةً…. ولا أترجّى نَيلَ جاهٍ، ومَنصبِ
ولكنني أسعى لعزّةٍ مَوطنٍ…. أبيٍّ، إلى كلّ النفوسِ مُحَبّبِ
كفاكم خِداعاً، وافتراءً، وخِسّةً…. وكَيداً، وعدواناً لأبناءِ يعربِ
تريدون – باسمِ الدين – تفريقَ أمّةٍ…. تسامى بَنوها فوقَ دينٍ، ومَذهَبِ
تعيشُ بدينِ الحبّ، قولاً، ونيّةً…. وتدفعُ عن أوطانها كلّ أجنبي
فما شَرْعُ “عيسى” غيرُ شَرْعِ “محمّدٍ”…. وما الوطنُ الغالي،سوى الأمِّ، والأبِ..)
-لكنني أعرفُ أيضاً، أنّ بعضَ ضِعافِ النفوسِ، الذين صَدّقوا أنّ فرنسا جاءتْ لتحريرِهم من العثمانيين، ووَعَدَتهم بالرخاءِ، والمالِ، والجاه.. وأغلبهم كان ينقصُهُ المالُ والجاه، ويسيطرُ عليهِ الجَهلُ وفقدان البَصيرة، واستسهال تصديق الأقوى.. ساعَدَ الغزاةَ على أبناءِ وطنِه.. حتى هنا، في المُغترَب.. كان بعضُ هؤلاءِ يجمَعُ الأموالَ باسمِ الثورةِ،والثوّار.. لكنها كانت تذهبُ إلى جيوبهِ الخاصّة.. هؤلاءِ كانوا قِلّة.. لكنهم كانوا مؤثّرين…
-جَدّي.. إنني أتساءل : كيف يستطيعُ أحدٌ أن يفعلَ هذا..؟! كيف أستطيعُ أن أنامَ، وجاري جائعٌ، وأنا أعلَم..؟! كيف أستعينُ بالغريبِ على أبناءِ بلدي..؟! الغريبُ سيرحَلُ إلى بلادِهِ، مهما طالَ الزمن.. وتبقى الأرض.. يبقى الوطن.. بأهلِهِ وناسِه.. من كلّ ألوانِ الطيفِ، التي تزيدهُ جَمالاً ورَوعة…. هل نسيَ البعضُ أنّ مَن أعانَ ظالِماً على ظلمِهِ، لابُدَّ أن يصيبَهُ بعضٌ منَ العِقابِ الذي سيَلحَقُ بهذا الظالِم..؟! كيف ضَلَلنا، يا جدي..؟!
-إييييه..!! المُهِمّ، أنني أحببتُ أن أقولَ لكِ، أنّ جدكِ كان قد أصبحَ ذا طبعٍ قاسٍ جداً، نتيجةَ الظروفِ العائليةِ، وظروفِ الوطنِ كلِّها، التي فاقَتْ قدرَتهُ على التحَمّل.. فلاقاني ببرود.. أنا العائدُ منَ الغربةِ، إلى غربةٍ أشدّ قسوةً.. هي الغربة في الوطن…
فعندما تمكّنت فرنسا من بَسط سيطرتها على القرية، وعلى الوطن.. عَززت مَكانةَ مَن تعامَلوا معها، وسلّطتهم على رقابِ الثوّارِ الأباة.. ومنهم جَدّكِ، الذي اشتدّتْ عليهِ الأمراضُ، نتيجةَ الضغطِ العَصَبيّ، والنفسيّ، الذي سَبّبته لهُ هذه الأوضاعُ القاهِرة، وحُكمُ الغزاةِ على قائدِ الثورةِ بالإعدام.. فأخفاهُ الأهالي عن عيونهم، وعيونِ أعوانهم.. ممّا جعل فرنسا تنكّلُ بالأهالي أفظعَ تنكيل.. تلاحِقهم.. وتحرق قراهم، وتداهِم البيوتَ التي تظنّ أنّ الشيخَ مختبئٌ فيها، أو أنّ أصحابَها يعرفون عنه شيئاً.. لكن.. دون جَدوى.. فاضطرت فرنسا إلى إصدارِ عَفوٍ عن الشيخ.. على شرطِ أن يُسَلِّمَ نفسَه… فحاوَلَ جَدّكِ مَنعَهُ من ذلك.. دون جَدوى.. وكان الشيخُ قد استطاع إقناعَه، بعدَ جَهدٍ جَهيد، بتسليمِ سلاحِه.. لأنّ الثورةَ كانت قد فقدَت كلّ دَعمٍ مادّيٍّ ومعنويّ.. فسَلّمَ سلاحَهُ، وخرَجَ مرفوعَ الهامَةِ، مَكسورَ القلبِ، دون أن يُحَيّي أحداً، أو ينطقَ بأيةِ كلمة.. فاختلَفا.. نتيجةَ عِنادِ جدك، وحِكمة الشيخ.. لكنّ جدكِ أصَرّ على مُرافقةِ الشيخِ إلى “اللاذقية “.. وقالَ له :
-واللهِ، إن حاوَلوا أن يغدروا بكَ، كعادَتهم.. إن حاوَلوا قتلَكَ، يا صالح.. فسأقتلكَ.. ثمّ أقتل نفسي.. كي لا أدَعَ يَدَ غادِرٍ تمَسّك….
آه، يا جدي..
كان الغزاةُ والمُتعاملون معهم في أوْجِ سُلطتِهم، وغطرَستهم، آنذاك.. فكيفَ سيكونُ حالُ جدكِ، عندها..؟!
-أخبرني كيف طلبتَ جَدّتي للزواج.. فقد ارتفعَ ضغطي.. فهَلاّ رَطّبتَ الجَوّ قليلاً..؟!
-بأمرِكِ، يا جدي…

(نبضُ الجُذور )… 12
____________________

لم يكنْ يخفى على أحدٍ، أنني أريدُ الزواجَ من “سَكينة “.. الأرملة.. حبيبة الطفولة..
ذكّرتُها بأيامِ الطفولة.. وكيف كنا نرعى دوابنا، ونبني “بَيْتوناً ” ونحلمُ أننا زوجان، وأننا أنجبنا ولداً.. ونمسِكُ حَجَراً أبيضَ مستطيلاً، نلفه بخروق.. وندّعي أنه ابننا.. نحن الطفلانِ اللذانِ لم يتجاوزا السنة العاشرة من العمر…
ذكّرتها، كيفَ كانت تقول لي :
-ماذا سنسمّيهِ، يا صالح..؟!
-سليمان.. ما رأيكِ أنتِ..؟!
-مليح.. ومتى سنسجّله في الدّولة..؟!
-لن أسجّله.. كي لا يأخذوه إلى العَسكَر…
ضحكتْ سكينة، ضحكةً خجولة.. لكنني أعرفُ دَلَعَ النساء.. قالت لي، بحَياءٍ وأدَب، كثيراً ما كنتُ أحبهُ فيها :
-مازلتَ تذكرُ تلكَ الأيام..؟! لقد ذهَبت..
فأجَبتُها، بثقة :
-ما رأيكِ أن تعود..؟!
ترَدّدَتْ قليلاً.. لكنها وافقت، على شرطِ أن أسألَ ذويها، الذين وافقوا دون ترَدّد..
فقد كانوا متأكّدين أنني سأكون زوجاً صالِحاً، وبَديلاً صالِحاً، أيضاً، عن أبِ أبنائها.. لكنّ ابنتَها “جميلة ” كانت تكرهني.. لا أعرف لماذا..؟!
-لو تعلم، أنها توفيتْ في التسعينات من القرن العشرين، وكانت ماتزالُ حاقدةً عليك.. فقد أخذتَ منها أمها.. وزادَ من كرهها لك، أنكَ اصطحَبتها معكَ إلى الغربة، وتركتها وإخوتها اللذين كانت هي أكبرهم.. واضطرّت أن تكون لهم بَديلاً عن الأم، والأب.. في ذلك الوضع الإنسانيّ القاسي.. والذي لا يحتمله الرجال…
-تزوّجتُ سكينة.. سَكنا جميعاً، أنا وهي وطفلَين، وطفلتَين، في غرفةٍ حَجَريةٍ كبيرةٍ، واحدة.. قسَمناها بواسطة توابيتِ الحبوب، إلى غرفتين.. والدوابُّ تحتَ “السّيباط ” شتاءً.. وتحتَ “المْضَلِّة ” أمام البيت، صَيفاً…
حَمَلَتْ سكينة.. ومَنّ اهُ علينا بتَوأمَين.. طفل، وطفلة.. كنتُ سعيداً بهما – حتى – أكثرَ من أمهما.. فقد كان لديها أبناء.. بينما لم أرَ وَلَدي الذي ماتَ مع أمهِ من زمان.. وكانا أوّلَ طفلَينِ لي.. لكن.. آه، يا جدي..!! هكذا توأدُ أحلامُنا دائماً..فلم يَطُل بهما الأمر، فقد توفيا بعد عدة أشهر من ولادتهما.. حَمَلناهما أنا وسكينة، لوَحدِنا.. تصَوّري..! دَفناهما في “الرّوَيْسِة ”
اسألي أمكِ، فهيَ تعرفُ ذلك…
-وهل تظنّ نفسَكَ أنكَ أنتَ مَن تروي لي هذه الأحداث، يا جَدّي..؟!
-دَعيني أسترِح قليلاً على ذلكَ المقعَد.. فأنا سعيدٌ بيدِ جَدّتِكِ التي تتأبّطُ ساعديَ الأيمن.. وبيدِ ابنتي الوحيدة، التي تستلقي على كَتِفي…
-سأرخي ساعِدَكَ قليلاً، يا صالح.. فقد جاء دَوري للحديث..
-جَدّتي..!!
وحَضَنتها.. وحَضَنتني.. قبّلتها.. وقبّلتني.. لكنني بكيتُ أكثرَ منها…

(نبضُ الجُذور )… 13
__________________

-وافقتُ جدكِ على الهجرة إلى الأرجنتين، على مَضَض.. فالوضعُ في الوطن لم يعُد يُطاق، لكنني اعترَضتُ على ترك أبنائي، وكان أصغرهم “اسماعيل ” الذي وَلَدتُه بعد وفاة أبيه بعدة أشهر، فأطلقتُ عليه اسمَه.. كان مايزال في الثالثة عشرة من عمره.. قال لي صالح :
– سأعملُ أنا، ونرسل لهم نقوداً.. وعندما تتحسّن أحوالُنا المادية، نسحَبهم إلى عندنا…
لكن ذلك لم يتحقق طيلةَ حياتنا.. أنا أعذرُ جدكِ.. لأنّ الوضع لم يكن مناسباً، أبداً، لذلك.. فلو سحبناهم، لضاعوا في تلك الغربة.. كانوا شباباً، وفي سن الزواج.. فكيف سيتأقلمون مع مجتمعٍ مختلفٍ تماماً عن مجتمعهم..؟!
-“مو قاهرني غيرك، يا اسماعيل..” قلتُ لطِفلي الأصغر، الذي ألقى نفسه في حضني، لآخر مرة.. وراحَ يتمرّغ ماسِحاً دموعَهُ بفستاني، بعد عودتي من جلبِ الحَشيش.. مَسَحتُ وجهَهُ بكفيَ الخشِنة.. لكنّ أحداً لم يمسحْ دموعي…
آخ..!!يا جدتي.. لأختصر لكِ قليلاً.. فلحظاتً الوَداعِ قاتلة…
فقد وصَلنا إلى “الروخاس ” عام 1929م.. ولم يكنْ بحَوزتنا سوى القليل من المال…
سَكنّا في غرفةٍ قديمةٍ جداً.. رطبة، ومُعتِمة.. على أطرافِ المدينة.. بقينا مدةً نعيش على الخبز والمَتّة.. فقد كان جارُنا العربيّ، من قرى اللاذقية، ويُدعى “حْوَيسِة ” وهو لقبُه.. يبيع الخبز على عرَبةٍ جَوّالة.. قال له جدكِ، منذ وصولِنا :
-يا أخي، يا حْوَيسِة… هل تستطيع إقراضَنا الخبزَ، من الآن، إلى أن أجِدَ عَملاً.. وعندها سأوَفيكَ ديونَكَ كلّها، فورَ توَفرها معي..؟!
فقال له التاجر :
-واه ي يا أخوَيّ.. لو طلبتما أن تأكلاني أنا، لأطعمتكما نفسي…
بكينا أنا وجدكِ.. ورحنا نستدين.

(نبضُ الجُذور )… 14
_____________________

كان جدكِ صاحِبَ تفكيرٍ سليم.. هِمّتُه عالية.. وبَصيرَته نافذة.. وإيمانُه مُطلقٌ باللهِ تعالى.. فتوَكّلَ على الله، واستدانَ من مُغترِبٍ آخر، يسكن على بُعْدِ حوالي أربعين كيلومتر من الروخاس، في مدينةٍ اسمها “بارغامينو “.. نسيتُ اسمَهُ الآن.. آ.. آ.. إنهُ أخو زوجتِهِ الأولى المسكينة آمِنة.. استدانَ منهُ/500/ ريال.. ومن مُغترِبٍ آخرَ من “الفِندارَة ” /500/ ريال أخرى.. واشترى بها سيارة قديمة جداً.. كان يقودُها بنفسِهِ، ومعهُ حقيبةٌ معدنيةٌ فيها مفكّات براغي، ومادة لكَشفِ الذهَب، وميزان صغير للذهب، وعَزقات، وأشياء أخرى كثيرة تصلحُ للعمل…
كان يتركني في غرفتي وحيدة.. أعيش على الخبز والمتة، عدة أيام.. قبل أن يعود.. يسافر في أرض الله الواسعة، طالِباً الرزقَ الحَلال.. يقودُ سيارته المُهترئة، مسافة تطول أو تقصر.. يبيع التبغَ المُهَرّب أيضاً.. كنتُ ألفّ التبغَ بعَباءةِ “الشيخ يوسف ” ألله يقدّس روحه… وأخفيها في أسفل السيارة، في مكان آمِنٍ من الدّوريات.. وكثيراً ما قال لي صالح، أن أعضاء الدوريات كانوا يقلّبونها في كلِّ الإتجاهات، أثناء التفتيش، دون أن يهتدوا إلى ما في داخلِها.. لكن السيارة العتيقة، كثيراً ما كانت تتعطّل، فيتركها على جانب الطريق الوَعرة، ويحمل حقيبته المعدنية، ويسافر سيراً على الأقدام، ليجدَ أناساً يحتاجون إلى تصليحِ دَرّاساتٍ، أو حَصّادات، أو ماكينات خياطة.. أو يبيعُ ويشتري قِطعَ الذهَبِ الصغيرة.. حتى تتوفرَ معهُ كميةٌ من النقود، فيعود ليُصلِحَ بها السيارة.. وقد يحتاج إلى استبدالِ قطعةٍ مُهترئة، بأخرى جديدة.. ويعود ليقودَها ثانيةً.. وهكذا…
مرّةً، اضطرّ أن يغيبَ عني مدةً، أكثرَ من العادة.. لم أرَ خلالَها إنساناً.. وفي يوم، دَقّ إبن عَرَب الباب، ففتحته له، وأنا محنية الظهرِ.. سألني : مابكِ، يا زوجة عمي..؟! هل أنتِ مريضة..؟! أينَ عمي..؟!
-عمّكَ مسافرٌ، منذ عدة أيامٍ، يا بُنيّ.. وأنا مَيّتة من الجوع…
-لا حَولَ ولا قوةَ إلاّ باللهِ العليّ العظيم.. لا عَليكِ، يا زوجة عمي…
وذهبَ ابنُ الحَلال، جَزاه الله خيراً، واشترى لي بعضَ الطعام، ووعدني أن يبقى يكشف عليّ ، ويزوّدني بما أحتاجهُ، إلى حين عَودة جَدِّك..
وعندما عاد.. أخبرتُهُ بما جَرى، وأنا أبكي.. بكى هو الآخر، وجَلسنا نفكّرُ بحالِنا، كيف نتصرّف..
قلتُ له :
-لاتعُد، وتتركني وحيدةً، ياصالح..
أجابَني مَقهوراً :
-إذاً.. كيفَ سنؤمِّنُ قوتَ يومِنا..؟!
-سأساعِدكَ، يا صالح.. أحضِر لي كميةً من الصوفِ، وكميّةً من خيطانِ الكروشيه، وصَنارة.. وأنا سأريكَ كيفَ أساعِدُك…
ففعَل…
صِرتُ أنقّي الصوفَ، وأغسله، ثمّ أجَففه، وأغزلهُ بالمغزلِ اليدَويّ، خيوطاً، ألفّها كَكُراتٍ كبيرة.. أصبغها بألوان غامِقة.. وأنسجُها كنزات، أرسلها لأولادي في الوطن.. كلّ على مَقاسِه.. وأشتغلُ أطقماً للطرَبيزات، وأغطيةً للأواني، من الكروشيه.. أو ستائرَ، أنقعُها بالنشاء، ثمّ أجَفّفها، وأكويها، وأرسلها للبيع.. لكن.. ألله يلعن الظالِمين…
-ماذا تذكّرتِ، يا جَدّتي..؟!

-تذكّرتُ ذلكَ الماكِر، الذي أرسلتُ معه مرةً، طقماً من الكروشيه، كان أجملَ ما نَسَجتُه.. كان بائعاً جَوّالاً، من إحدى القرى القريبة من طرطوس.. قلتُ له :
-بِعهُ لي، وخذ حقكَ من ثمنه..
واتفقنا على ذلك.. لكن.. مَرّ شهرٌ.. شهران.. ثلاثة.. وأكثر.. وكلما رأيتُه، أسأله عن الطقم، فيجيب بأنّ أحداً لم يشترِهِ منهُ، بَعدُ…
وكنتُ في هذه الأثناء، قد اشتغلتُ وبِعتُ عدة أطقم.. كنتُ أسهرُ حتى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل.. “أكْبي ” كثيراً.. لكنني أعودُ لأوقِظَ نفسي.. فالوقتُ للعمل، وليسَ للنوم، يا سكينة.. أطفالُكِ في الوطنِ جائعونَ وعَريانون.. وزوجُكِ غيرُ قادرٍ، بمُفرَدِهِ، على تأمينِ ما يكفي لكما.. فكيفَ سيستطيعُ أن يَفيَ بوَعده، ويرسلَ لهم ما يسدّون بهِ رَمَقهم، أو يكسوه.. إن لم تساعِديهِ بكلِّ طاقتِكِ، يا سكينة..؟!
وآخر مرةٍ رأيتُ ذلكَ الشخص، سألتُه، بتذمّر :
-ألَم تبِعهُ حتى الآن..؟! لقد بِعتُ – وأنا هنا – دون أن أسافرَ إلى أيِّ مكان، عدداً كبيراً من الأطقم، أقلّ جودَةً منه.. فكيفَ لم يشترِهِ منكَ أحدٌ، حتى الآن..؟! ثمّ.. إن كان معكَ، اعطِني إياهُ، لأبيعَهُ هنا.. فقد اكتسَبتُ ثقةَ الجميع، وصارَ الطلَبُ على شغلي يزدادُ يوماً، بعدَ يوم..!!
فأجابَني بفظاظةٍ، واستخفاف :
-لقد بِعتُهُ من زمان.. وزَكّيتُ ثمَنهُ عن روحِ أبيكِ…
-ألله يحرق روح أبيك، يا كَذّاب…
بكيتُ كثيراً.. ولم أخبرْ جدكِ، كي لا أزيدَ من مَتاعِبه.. فالخطأ خطئي.. لكن، الحمد لله.. تعلّمتُ أن أعتمدَ على نفسي، أكثرَ بكثير مما أعتمد على الآخرين، في تصريفِ أموري.. ودَلّتني هذه الحادثة، أنّ هناكَ أناساً مُخادِعين، علينا الحذر منهم.. فكما يقولون ( رزق الدّشارْ، بيعَلِّم ولاد الحَرام، السّرقة )…
-مايُعزّينا، يا جَدّتي.. أنّ الخيرَ أبقى…
-الحَمدُ للهِ.. جَلّ اسمُه…
بعدَ مدة، استطعنا توفيرَ بعضِ المال، وأرسلناهُ مع بعض الكنزات وأشياء أخرى، إلى أبنائي في الوطن…
كان صالح يشعرُ بالمسؤوليةِ تجاهَ أبنائي، أكثر بكثير مما يشعر تجاه أهله وإخوته.. ولم يتقاعَس، يوماً، عن إرسالِ كلّ ما يقدر عليه من مالٍ، ولِباس، وغير ذلكَ مما يحتاجونهُ، طيلةَ حياتِنا…
-هل تعلمينَ، يا جَدّتي، أنّ خالي “الشيخ اسماعيل ” مايزالُ يحتفظُ ببعضِ الثيابِ التي كنتِ ترسلينها له..؟! وقد أخبرَنا أنكِ أرسلتِ لهُ، يومَ زفافِه، فستاناً لعَروسِهِ، لبستهُ يوم العرس..؟!
-عيني اسماعيل، مازالَ يذكرني..؟!
-بل، ومازالَ يقولُ أنّ أطيَبَ رائحةِ عِطرٍ في العالَم، هيَ رائحةُ عَرَقِ أمِّه.. وأنهُ لا يستطيعُ أن ينامَ، قبلَ أن يستحضِرَ رائحةَ عَرَقِك، وشكلَ وَجهِكِ، الذي لم يفارِقهُ، يوماً، منذ أن وَدّعتِهم في ذلكَ اليومِ الحزين.. وماتزالُ صورَتُكِ، مع جدي، وأمي، مُعَلّقةً على حائطِ بيته.. ومع أنها بالأبيضِ، والأسوَد، إلاّ أنهُ يؤكّدُ أنّ فستانكِ كانَ لونُهُ أخضر.. وأنهُ يُشبهُ فستانَكِ الذي كنتِ ترتدينهُ عندَ عَودَتِكِ من جَلبِ الحَشيشِ، حينَ دَسّ نفسَهُ في حضنكِ، لآخرِ مَرة، وشَمّ رائحةَ عَرَقِك…
(تبكي جَدّتي، بمَرارةٍ، وتُتابِع ) :
-كنا نرسِلُ لهمُ النقودَ بالدّولار.. كلّ مئة، أو مئتيّ دولار، أو خمسين، لفلان.. وأخرى لفلانة.. فيصَرِّفها لهم ذوي الخِبرةِ في ذلك.. ويُسَلِّمهم إياها أمامَ شُهودٍ، ويُعْلِموننا بذلكَ، برسالةٍ موَثّقةٍ من أهلِ الثقة…
كنا نتابعُ أخبارَهم، وأخبارَ الوطنِ، أوّلاً بأوّل.. لكنّ الرسائلَ المَكتوبةَ والشفهية، كانت تبقى أشهُراً كي تصِلَنا بهم، أو تصِلَهم بنا.. ولم ينسَ أهلَهُ، أو أهليَ الأقرَبينَ والأبعَدين…
كنا نرسِلُ للجميعِ، كلَّ مانستطيعُ تأمينهُ لهم من مالٍ، ولِباسٍ، وأحذية، وبعض قطَع الذهَبِ الصغيرة، وماكينات خياطة، وساعات يد، وأخرى يعلِّقها الرّجالُ بسِلسِلةٍ في قَبّةِ القميصِ، ويضعونها في جيوبهم…
آه.. يا جَدّتي..!! ما أصعَبَ الغُربة..!!
-هل ترغبينَ أن تستريحي قليلاً، يا جَدّتي..؟! إنني أرى وَجهَكِ يميلُ إلى الإصفِرار، وجسمَكِ يرتجِف..!!
-لا عَليكِ يا جَدّتي.. سأستنِدُ قليلاً على كَتفِ صالح، ثمّ أتابعُ الحَديث…
تنهّدّتْ جَدّتي بعُمقٍ، وأغمَضتْ عينيها، مُبتلِعَةً غصّةً، لم يمحُها الموتُ، قبلَ أن تتابع :
-بعدَ سَنتينِ من وصولِنا، وفي الحادي والعشرين من آذار عام 1931م وُلِدَت ابنتي “مَريَم “… فرِحتُ بها كثيراً.. لكنّ فرَحَ جدكِ كان أكبر.. فهيَ أوّلُ وآخرُ أبنائه…
آه.. كم كنتِ جميلةً يا مَريَم..!!
-ومازالت أكثرَ جَمالاً، يا جَدّتي.. حتى وهيَ تقارِبُ الثمانين…
-لا.. ليست في الثمانين.. إنها ماتزالُ أمامي، تلكَ الطفلة الجميلة الوادِعة.. إنني مازلتُ أراها تُشاكِسُني، وتكبرُ، ويكبرُ فرَحُنا معها.. لقد رَبيناها “كلّ شِبْر، بندر ” كما يقولون…
-أمي……. وبكَتْ مَريَم “… لاتُصَدّقي بَتول.. فلم أبلغ الثمانينَ، بَعدُ.. لكنني تجاوَزتُ الخامسة والسبعين.. وتلكَ العَنيدة ” وتضربني أمي على كَتِفي.. أو تقرصُني في زندي – كعادَتِها – قبلَ أن تتابع ” :
-ابنتي طالِعة لعائلةِ أبيها، يا أمي.. مع أنني حاوَلتُ، جاهِدَةً، أن أجعَلَ منها إنسانةً مُسالِمة.. مثلي، ومثلكِ.. دون جَدوى.. فهيَ عنيدة.. وتُصِرُّ – كما تقول – على ألاّ تجعلَكم تموتونَ، وتستريحونَ من هذهِ الدنيا.. لذلكَ طلبتْ مني، وألَحّت بالطلَب، أن أحكي لها ذِكرَياتي عنِ الغُربَة.. كي تسجِّلَها على الوَرَق.. وتجمَعَها في كِتاب.. هيَ تزعمُ أنها ستُخلّدنا في كِتاب.. لكنني – والكلامُ في سِرِّكِ، يا أمي – كنتُ سعيدةً باستِحضارِ تلكَ الأيامِ، والسنين، والأحداث التي عشتُها معكم…
كم أضحَكَتني المَلعونة..!! وكم أبكَتني..!! وأنا أسردُ لها بعضاً ممّا تبقّى في ذاكِرَتي من أحداث.. لكنها أعادَتني إلى زمَنٍ جميل.. زمَنِ عيشتي معكم…
“وتبكي مريم.. وهيَ تحضنُ والدَيها، قائلةً ” :
-يقولونَ لي، إنني كنتُ أهذي، عندما كنتُ أستيقظُ منَ المُخدِّرِ، بعدَ أن أجرى ليَ الأطباءُ العمَليّةَ الجراحيةَ الخامسة، على جَسَدي المُتعَب… كانت عمليةَ تجبيرِ كَسرٍ في الوركِ الأيسَرِ، والزندِ الأيمن.. عندما سقطتُ قربَ المِغسَلة.. وحاوَلَ “عادِل ” أن يُنهِضَني، ماسِكاً زندي بقوّة.. دونَ جَدوى.. فكَبَسَ زرَّ “الأنترفون ” ليرفعَ ابني “محمود ” السمّاعةَ من بيتِهِ القريب :
-تعالَ بسُرعة.. أمكَ سقطتْ.. وأنا لا أستطيعُ أن أُنهِضَها…
فأسرَعَ محمود، وزوجته، وابناهما.. ساعَدوا زوجي على إنهاضي، وطلبوا لي الطبيب، الذي أخبر سيارة الإسعاف الوحيدة في المنطقة، ونقلوني إلى طرطوس.. إلى ذلك المشفى الذي يطل على البحر، حيث أجريَت لي عملية التجبير، ووضع صَفائح معدنية لتدعم العظم الضعيفَ الهَشّ…
يقولون لي إنني كنت أهذي، وأقول :
-لماذا جاؤوا بي إلى قرب البحر..؟! لماذا..؟! لماذا..؟! ألا يعرفون ماذا يفعَلُ البحرُ بي..؟!
أمي.. أبي..!!
أين أنت الآن يا أمي..؟! أين أنت يا أبي..؟!
إذا مِتُّ سيدفنونني هنا.. “وأبكي بمَرارَة “.. لن يأخذني أحدٌ لأدفنَ قربكما، يا أمي، ويا أبي… لماذا..؟! لماذا..؟!
فيبكي جميعُ مَن حَولي، من أبنائي وأقاربي ومَعارفنا…
تذكّرتُ، يا أمي، تلكَ المناديل المُلوّنة، وتلك الشموع المُضاءة، التي كانت تختفي بالتدريج، عن شاطئ المُحيطِ الأطلسيّ من الغرب…
عندما أطلقَتْ “أوغوستوس ” أنينَها، مُعلِنةً الرحيل…
نحوَ الشرقِ، كان الرحيلُ، يا أمي…
التقطَ “عادِل ” منكما “سليمان ” ابن العام وأقلّ من شهر.. وكأنه التقطَ آخرَ قطعةٍ من روحَيكُما..
حَمَلهُ، ورفعه بين يديه، ماسِكاً ساعِدَه، ليلوّحَ الصغيرُ بها، كما نفعلُ نحن، وجميع المسافرينَ والمُوَدِّعينَ، على الشاطئ…
كان بَطني يلوّحُ أمامي، كما كانت تلوح تلك المناديل.. كانت هذه “الشقيّةُ ” تسبحُ في داخِلِه…
أذكُرُ أنّ بطني اصطدَمَ ببطنِ ابنةِ خالي الحامل، ونحن نقبّلُ بعضنا، عند الوداع.. فأثارَ ذلك بعضَ الضحك…
كذبتُ عليكما، يا أمي، حين قلت لكما إنني في شهري الخامس.. بينما الحقيقة، إنني كنت في شهري السابع…
وما يزالُ “عادِل ” يقول :
-كادَتْ “بَتول ” تولَدُ في البحر…
لم أكن أصَدّق أنه الوداع الأخير… كنت أظن أننا سنبقى عدة أشهر.. أو، ربما عاماً، على الأكثر، حتى يدبّرَ عادل، حالَ أهله في الوطن، ثم نعود…
كنتُ في شوقٍ لرؤيةِ ذلكَ الوطنِ الذي كنتما تحبانهِ، إلى درَجةِ العِبادة.. وزرَعتما في قلبي وفي روحي، حُبّهُ وتقديسَه… كنت راغبة برؤية أقاربي.. بيت عمي، أهل عادل.. وإخوتي، وأهلي الباقين في الوطن…
لقد زرعتما في نفسي، أنهم امتدادي.. وأنّ (الأرجنتين ).. ذلك البلد الذي وُلِدتُ وعشت فيه أكثر من اثنتين وعشرين عاماً.. كان لا يتعَدّى كَونه (غُربَة )… فأوحَيتِ لي يا أمي، أن أرسل رسالةً باللغة العربية، إلى عمي (الشيخ مجيد ).. أستعطفه، أنني إذا مات أبوايَ، فمَن يبقى لي، يا عَمي..؟! وكيف سيكون حالي في تلك الغربة..؟!
وأرفقتُ الرسالةَ بصورةٍ لنا نحن الثلاثة…
فأجابَني عمي، برسالةٍ كلها عاطفة، ومحبة، وثقة، وتطمين :
-لن نتركك وحدك يا عمي.. فنحن أهلك.. لا تخافي.. بل، واطمئني.. هذه صورة ابن عمك (عادل ).. فإن أعجبك.. فسنكون سعيدين بذلك.. وسنرسله إلى عندكم… ونزوجكما… أنت ابنتنا أيضاً، يا عمي.. ولن نتخلى عنك –أبداً- …
آه.. كم بكيتما على تلك الرسالة يا أمي..!!
آه.. يا أبي..!!
فأرسل أبي رسالة جوابيةً لأخيه :
-إذا كان هذا رأيكم.. فليسَ لدينا مانِع…
وجاء عادل…
ترك المدرسة، يا بَتول… اكتبي… لقد ظلّت حُرقةً في قلبه، أنه ترَكَ المَدرسة… وأنا أشعرُ بالذنبِ، أنّ ذلكَ كان بسبَبي أنا…
تخلّى عن طموحِهِ من أجلي… فكيف لا أحبهُ، وبهذا الشكلِ، رغمَ كلِّ الصعوباتِ التي اعترَضتنا في حياتنا..؟!
بقي 33 يوماً في البحر..مابين مرفأ بيروت، وميناء بوينوس آيرس… منها ستة أيام توقّف في جَنَوَة لتبديل الباخرة…
لم يستطعْ أبي أن يرافقنا لاستقباله.. كان مريضاً، يا ابنتي.. ركبنا أنا وأمي، القطار العجوز الذي يعمل على الفحم، من الروخاس، إلى العاصمة بوينوس آيرس… بقينا حوالي ستّ ساعات سفَر.. نزلنا في بيت خالي (الشيخ سالم غانم ) في (شارع روساريو 205 )…
صارت بنات خالي يضحكن عليّ :
-إي.. والله أنيقة أكثر من العادة.. ذاهبة لمُلاقاة العَريس..!!
كنتُ أرتدي فستاناً زيتياً، تقطيعاتُهُ ناعِمة.. وأضعُ وَردةً في شَعريَ المُصَفّفِ، وشَكلةً أزيّنُ بها صَدرَ فستاني..
رافقَنا خالي وعائلته، وشابٌّ آخر، كان قد طلبني للزواج، ولم أوافق..
ذهبنا جميعاً لاستقبال عادل.. وقفنا على الميناء، نراقب القادمين…
باخرة ترسو.. وأخرى تغادر…
مجموعات من الناس تبكي الوداع.. وأخرى تفرح باللقاء..
وعندما رسَتِ الباخرة التي تقلّ عادل.. استنفرنا جميعاً.. حِرنا.. كيف سنعرفه..؟! وكيف سيعرفنا..؟! ولم يرَ أحدُنا الآخرَ من قبل..؟! وَلوَلَتْ زوجةُ خالي :
-وَيلي أنا.. سيضيعُ الصّبي..!!
نهَرَها خالي :
-لن يضيع.. لن يضيع..
كانوا يضعونَ المُسافِرين الصّغار، أو الذين لا يرافقهم أحد، في مَقصوراتٍ خاصّة.. يُنزِلونهم واحِداً.. واحِداً.. مُنادينَ على كلِّ واحِدٍ باسمِه.. ويُسَلّمونهُ لأقاربه.. أو، لمَن عليهِ أن يستلِمَه.. بأوراقٍ رسمية، توقّع عليها الجِهةُ المُسَلِّمة.. والجهةُ المُستلِمة…
وعندما جاء دَورُ هؤلاء بالنزول، رحنا نراقبُ الأسماءَ بدِقة.. وأنا أتضاحَكُ مع بنات خالي.. كلّما رأيتُ شاباً جميلاً، أقول :
-ياربّ يكون هذا..
وبعد قليل، سمعنا :
-(آديل مَجيد آدِيل )…
تسارَعَت دقّاتُ قلوبنا، كما تسارَعَت حركاتُ العيون، وازدادَتِ الحَرَكةُ في أرواحِنا وأجسادِنا جميعاً.. وكلّ واحدٍ منا يُدَققُ النظرَ بالنازلينَ من السفينة، عَلّ شيئاً مُمَيّزاً، أو أية علامةٍ تدلّنا بشكلٍ أسرَع على ابنِ عمي…


رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جولان تايمز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.