نبض الجذور للاديبة السورية فاطمة صالح الاجزاء 15-24

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 27 فبراير 2016 - 10:39 مساءً
نبض الجذور للاديبة السورية فاطمة صالح الاجزاء 15-24


( نبضُ الجُذور ) 15
____________________

حَدّقنا أنا وأمي أكثر من الجميع.. وصِحنا معاً، حين رأيناه :
-هذا..!! إنه هذا..!! هو عادِل…
إنه يشبه عائلتنا يا أمي…
اقترَبنا منه بلَهفة… بادَرَنا بالكلام :
-أنا عادِل.. مَن أنتم..؟!
أجَبتُهُ أنا :
-أنا ابنةُ عَمكَ مَريَم.. وهذهِ أمي…
وَقّعَتْ أمي على استِلامِه…
-وهذا خالي وزوجته وأبناؤه وبناته.. وهذا.. عريس قديم.. لكن، عليكَ ألاّ تغر.. فقد تزوّج منذ مدة…
مازَحَني :
-خَدَعتِني.. كنتِ تبدين في الصورةِ أجمَل…
ضحكنا جميعاً…
بكَت أمي وزوجة خالي…
-إنهُ من رائحة الوطن.. من رائحة الأهل…
-وَيلي أنا.. إنه صغير.. صغير جداً.. هذا سيعرفُ كيف يتزوج..؟!
كان يبدو مُرهَقاً، حزيناً على فراق أهله، ووطنه… نظراته مُستغرِبةً عالَماً لم يألَفهُ بَعد…
كان ذلكَ في حوالي مُنتصف كانون الأول من عام 1950م… كان الأهل في سورية يحتفلون بعيدِ البَربارَة، في أوائلِ فصلِ الشتاء… أما في الأرجنتين، فقد كان الوقتُ صيفاً…
وقد أخبرتني أخته، أن أمه، زوجة عمي حليمة، ومنذ أن غادَرَ عادِلُ الوطن، ظلّت تبكي فراقه، وتغني حُزنها عليهِ، مُرَدِّدَةً هذا المَوّال الحزين :
(أنا.. يا امّي.. لَجدّ السير، وانهارْ…..
واقطَعْ هالبَراري، جْبالْ ونْهار……
باله* عليك، ياطير.. روحْ لَجَنب الدارْ، وانهارْ….
وصيحْ بصوتْ، فَيّقْ لي الضّنا….)….
***
بقينا عدة أشهر مخطوبَين.. تعَرّفنا خِلالَها على بعضِنا، وأحبَبنا بعضَنا…
كان بيتُنا مِحَجّةً لأبناءِ العَرَب.. كان أبي يحرص على احتِضانِ الفقراءِ منهم، ومَن تقطّعَتْ بهمُ السُّبُل.. يؤويهم.. يطعِمهم.. ويهتمُّ بهِم…
وفي مرةٍ، كان قد أحضَرَ واحِداً من هؤلاء، فصارَ ينظرُ إليّ نظراتٍ أغاظتني.. فأيقظتُ عادِل من نومَةِ القيلولةِ، بعدَ عَودَتهِ من المَتجَرِ، مُتعَباً.. وأخبَرتُهُ بذلك…
فنظَرَ إليهِ نظرةَ تحذيرٍ، عاقِداً بينَ عَينيه، مُشيراً إلى أنّ ابنةَ عَمّهِ، من الآن فصاعِداً، هيَ عِرضُه، وخطيبته.. وهوَ حاميها.. ومَن يقتربُ منها بهذا الغرَضِ، سيَلقى جَزاءة…
وكتبَ لي قصيدةً، تذكّرَ أغلبَ أبياتِها، بعد أكثرَ من نصفِ قرنٍ، عَقِبَ قيامي بالسلامةِ من عملية تجبيرِ الكسر، وقرأها على مَسامِعي، بتأثّرٍ بالِغ، هيَ وقصيدة أخرى،كتبها – وهوَ يبكي – عندما وَضعوني على الحَمّالة، وأخرَجوني من البيت، وأدخَلوني في سيارةِ الإسعاف.. ظنّ، حينها، أنه لن يراني بعدَها.. فجَلسَ يبكي وحيداً طوالَ الليل، وكتبَ القصيدةَ، التي بدأها بعِتابٍ رَقيق..

(نبضُ الجُذور )… 16

______________________

(رَحَلتِ..؟! ).. أما القصيدة الأولى، فكان قد بدأها بقولِه :
(أماريّا.. برَبِّكِ، مادَهاكِ..؟! )….
في بداية شهر نيسان عام 1951م، قال أبي لخالي :
-سأرسلهما إليك، تقرأ فاتحتهما، وتزوّجهما على سُنةِ الهِأ ورَسولِه…
بقينا عدة أيام في بيت خالي، وهوَ يترَقبُ الأيامَ المُبارَكةَ التي يمكن له أن يقرأ فاتحتنا خلالها…
كنتُ أنامُ بين بنات خالي، في غرفتِهنّ الخاصّة.. نضحكُ كثيراً.. ونترَقّبُ ذلكَ اليومَ الكريم…
وحينَ يُدرِكنا التعبُ، ننام.. لكنّ إحدى بنات خالي كانت توقظني وهيَ تضحك:
-وْلِكْ لا تنامي.. لا تنامي…
قد يُعلِنُ أبي بعدَ قليل، أنّ هذا اليومَ مُبارَك…
فأرفعُ يَدَيّ بالصّلاةِ، أن يحصلَ هذا…
-يا الله… هَيّئي نفسَكِ للزواج.. وإن كان خطيبُكِ خَجِلاً، شَجِّعيهِ أنتِ…
-أينَ ستهربان..؟! سنراقبكما من النافذة…
تزوّجنا في الثالث عشر من نيسان 1951م.. في غرفةٍ من بيتِ خالي، كانوا قد خَصّصوها لنا… وفي الصباح.. حَيّيتُ زوجةَ خالي، التي استيقظت قبلَ الجميع :
-ألله يصَبّحِك بالخير، يا زوجة خالي..
-ألله يسعد صباحِك، يا مَريَم… مُبارَكٌ يا ابنتي…
-كيفَ عرفتِ..؟!
-من بعضِ القطراتِ الحمراء في التواليت…

قضَينا عدةَ أيامٍ أخرى في بيتِ خالي… عُدنا بَعدَها إلى الرّوخاس…
وبعدَ شهرَين، حَملتُ… وكانت أمي أولَ مَن لاحَظَ ذلك.. فقد كنتُ، أحياناً، أتقيّأ عند استيقاظي…
فرحت أمي كثيراً.. وشرَحَتْ لي عَوارِضَ الحَملِ، التي عَليّ التأقلم معها… وأوصَتني عدةَ وصايا.. لكنها لم تنفع.. فقد أسقطتُ حَملي بعدَ ثلاثةِ أشهر.. دونَ سَبَبٍ ظاهِر…
كانت أمي قد أخبَرَت أبي أنني حامِل، بطريقةٍ غير مباشِرة… فقد كان يصطحبنا – كعادته كل يوم أحد – في السيارة التي يقودها بسُرعَةٍ كبيرة، على طريقٍ ليست جيدة.. وكثيراً ما كنا نحن الثلاثة نقفز فوق مقاعدنا، إذا صادفت العجلات حفرة في الطريق.. فصارت أمي تنبه أبي أن عليه تخفيف السرعة من الآن فصاعداً، نظراً للظروف المُستجدة…
حاولت منعها.. لأنني كنت أخجل إن عرف أبي أنني حامل.. لكن أمي أعادت الطلب منه بتخفيف السرعة، وهي تقول :
-سيكون سعيداً جداً، إذا عرف.. سيكون عيداً عنده…
كان أبي دائماً يوصي عادل أن يتعامل معي بحنان، ولطافة.. مما كان يُغضبه.. ففي رأيه أن هذه الوصايا غير لازمة.. فهو يعرف واجبه تجاهي.. كان أيضاً، يحاول أن يعلمه في البيت، مالم يستطع أن يتعلمه في المدرسة من علوم اللغة العربية والسبنيولية، والتراث، وغير ذلك من العلوم… واستطاع عادل في تلك الأثناء، أن يحصل على علوم لا بأس بها.. كان شاكراً لعمه أنهُ أتاحَ له المَجالَ لذلك.. إذ كان قد ترَكَ المدرسة وهو في الصف الثامِن، وجاءَ ليتزوّجَني…
بعدَ إجهاضي بعدةِ أشهر، حَمَلتُ، ثانيةً، بأخيكِ “سليمان “… كبرَ بطني كثيراً.. وعندما دخلتُ في أيامِ الوِلادة، كان الحَملُ قد أتعَبَني كثيراً، فطلبتُ منهم أن يُدخِلوني المشفى…
الطبيبُ الذي أشرَف على ولادتي، كان أعرَج.. خجلتُ كثيراً منهُ، أوّل الأمر.. لكنني احتَجَجتُ بقوة، عندما أدخَلَ طبيباً آخر، يبدو أنهُ مُتدرّب :
-طبيبي، لا عَليهِ إن رآني.. أما هذا الآخر، فلن أدَعه يراني…
بقيتُ هناكَ عدة أيام، قبل الولادةِ التي كانت طبيعيةً، لكنها قاسية…
حَمَلتِ المُمرّضةُ أخاكِ، ووضعتهُ في الميزان، قبل أن تأتيني بهِ مَلفوفاً بثيابٍ بيضاءَ من القطنِ الناعِم، كنا قد صَنعناها أنا وأمي، وطَرّزنا عليها بألوانٍ هادِئة، زهوراً، وأرانبَ، وطيوراً وادِعة…
وضعته في حضني، قائلةً، وهيَ ترسمُ علامةَ الصليبِ على صَدرها :
-يخزي العين.. إنه كالخنزير…
كان وزنُهُ أربعة كيلو غرامات، ومئتيّ غرام…

(نبضُ الجُذور )… 17
______________________

عُدنا إلى البيت…
آه..!! كم فرحنا بكَ يا حبيبي… رحمكَ الله يا سليمان…
كان أبوكَ يلاعبكَ، والفرَحُ يملأ كَيانه..وكذلكَ جَدّكَ، كان يضعكَ في حضنه، بعد أن ينزعَ الحِفاضَ عن إليَتِك.. فنؤنّبهُ قائلين:
-قد يعملها فوق ثيابك..!!1فيُجيب :
-الدنيا حَرّ.. حَرّ شديد.. ثمّ، إن عملها، فماذا يحصل..؟! افعَلْها يا جَدّي..إن كان عليكَ “شُخاخَة ” افعَلها في حضني…
وعندما يفعَلها على قميصِه، نضحَكُ عليه.. فيقول :
-كلّها نقطة ماء من طفلٍ طاهِر.. فليفعَلْها.. مابها..!!
-سيكونُ لهُ شأنٌ عَظيم.. سيكونُ شخصيّةً مُهِمّة.. وينالُ شُهرَةً واسِعة.. سيكونُ مَحبوباً من الناس.. وفَعّالاً للخير…”
هكذا تنبّأ لكَ جَدّكَ يا حبيبي.. لكنهُ لم يتنبّأ بوَفاتِكَ في عِزِّ شَبابِكَ يا بُنيّ…
كيفَ صَدَقَتْ كلُّ تنبّؤاتِه..؟! وكيفَ لم يتنبّأ بالكارِثةِ التي حَلّتْ بنا..؟! أم أنهُ تنبّأ، دونَ أن يُعْلِمَنا..؟!
لا..لا…. لاأبي، ولا غيرُهُ يستطيعونَ ذلك.. فكما يقولُ المَثَل :
“الإنسان يعرف أين يولَد.. لكنهُ لايعرفُ أين يموت “…
يبقى عِلمُ الإنسانِ مَحدوداً، يا بُنيّ…….
وتمسَحُ مَريَمُ دموعَها، وتشهَقُ، وهيَ تنظرُ باتجاهِ مَقبَرَةِ الرجالِ المُغطّاةِ بأشجارِ السنديانِ، المُقابلةِ لبيتِها في القرية :
-الحمد لله.. الحمد لله… عيني سليمان…
-طبعاً، يا أمي.. الحمد لله.. فقد كانَ لأخي الغالي شأنٌ عظيم.. وقد اَحَبّهُ الناس.. وسيبقى الجميعُ يذكرونهُ بالخيرِ، والحبّ، مادامَتِ الدنيا… فلا تبكِ يا أمي…
سليمان لم يَمُت… مَن يزرع الحبّ، يحصُد الحُب…
ومَن يزرَعُ الخير، يحصدُ الخير…
فلتطمَئني يا أمي.. ابنُكِ مازالَ حَيّاً… وسيَبقى حَيّاً…
-الحمدُ لله…
تركتُ أمي تستريحُ قليلاً، قبلَ أن تُتابعَ سَردَ الأحداثِ والذكريات.. أسألُها، وهيَ تُجيب…
حاوَلتُ أن أجَفِّفَ الدموعَ من عَينيها المُحمَرّتَين.. خفتُ عليهِما.. فقد أُجرِيَتْ لكلِّ عَينٍ عمليةٌ جراحية، لتبديلِ العَدَسَتين، منذ سنواتٍ قليلة…
تلكَ العَينانِ الخضراوانِ الصافيتان، اللتانِ أورَثَتهما لأخي الغالي… لا أستطيعُ أن أراهُما دامِعَتَين… لكن… آه، يا أمي… فقد كانَ جَفافهما، الإستثناء… ألله يشرح صَدرك…
-أمي.. لماذا أسموكِ “مَريم سيليا “…؟!
-لا أعلَم.. لكن، ربما لسهولة لفظه.. ولأنه اسمٌ عربيّ أولاً.. لكنني (وتضحك ) كنت غاضبة على أبوَي لأنهما لم يسمّياني”فضّة”.. فالفضة قريبة من الذهَب، لكن،ماذا تعني”مريم سيليا “.؟!
ونضحكُ معاً.. وأنا سعيدة أنني استطعتُ تحويلَ إلى الذكريات الجميلة…

(نبضُ الجُذور )… 18
_____________________

عُدنا إلى البيت…
آه..!! كم فرحنا بكَ يا حبيبي… رحمكَ الله يا سليمان…
كان أبوكَ يلاعبكَ، والفرَحُ يملأ كَيانه..وكذلكَ جَدّكَ، كان يضعكَ في حضنه، بعد أن ينزعَ الحِفاضَ عن إليَتِك.. فنؤنّبهُ قائلين:
-قد يعملها فوق ثيابك..!!1فيُجيب :
-الدنيا حَرّ.. حَرّ شديد.. ثمّ، إن عملها، فماذا يحصل..؟! افعَلْها يا جَدّي..إن كان عليكَ “شُخاخَة ” افعَلها في حضني…
وعندما يفعَلها على قميصِه، نضحَكُ عليه.. فيقول :
-كلّها نقطة ماء من طفلٍ طاهِر.. فليفعَلْها.. مابها..!!
-سيكونُ لهُ شأنٌ عَظيم.. سيكونُ شخصيّةً مُهِمّة.. وينالُ شُهرَةً واسِعة.. سيكونُ مَحبوباً من الناس.. وفَعّالاً للخير…”
هكذا تنبّأ لكَ جَدّكَ يا حبيبي.. لكنهُ لم يتنبّأ بوَفاتِكَ في عِزِّ شَبابِكَ يا بُنيّ…
كيفَ صَدَقَتْ كلُّ تنبّؤاتِه..؟! وكيفَ لم يتنبّأ بالكارِثةِ التي حَلّتْ بنا..؟! أم أنهُ تنبّأ، دونَ أن يُعْلِمَنا..؟!
لا..لا…. لاأبي، ولا غيرُهُ يستطيعونَ ذلك.. فكما يقولُ المَثَل :
“الإنسان يعرف أين يولَد.. لكنهُ لايعرفُ أين يموت “…
يبقى عِلمُ الإنسانِ مَحدوداً، يا بُنيّ…….
وتمسَحُ مَريَمُ دموعَها، وتشهَقُ، وهيَ تنظرُ باتجاهِ مَقبَرَةِ الرجالِ المُغطّاةِ بأشجارِ السنديانِ، المُقابلةِ لبيتِها في القرية :
-الحمد لله.. الحمد لله… عيني سليمان…
-طبعاً، يا أمي.. الحمد لله.. فقد كانَ لأخي الغالي شأنٌ عظيم.. وقد اَحَبّهُ الناس.. وسيبقى الجميعُ يذكرونهُ بالخيرِ، والحبّ، مادامَتِ الدنيا… فلا تبكِ يا أمي…
سليمان لم يَمُت… مَن يزرع الحبّ، يحصُد الحُب…
ومَن يزرَعُ الخير، يحصدُ الخير…
فلتطمَئني يا أمي.. ابنُكِ مازالَ حَيّاً… وسيَبقى حَيّاً…
-الحمدُ لله…
تركتُ أمي تستريحُ قليلاً، قبلَ أن تُتابعَ سَردَ الأحداثِ والذكريات.. أسألُها، وهيَ تُجيب…
حاوَلتُ أن أجَفِّفَ الدموعَ من عَينيها المُحمَرّتَين.. خفتُ عليهِما.. فقد أُجرِيَتْ لكلِّ عَينٍ عمليةٌ جراحية، لتبديلِ العَدَسَتين، منذ سنواتٍ قليلة…
تلكَ العَينانِ الخضراوانِ الصافيتان، اللتانِ أورَثَتهما لأخي الغالي… لا أستطيعُ أن أراهُما دامِعَتَين… لكن… آه، يا أمي… فقد كانَ جَفافهما، الإستثناء… ألله يشرح صَدرك…
-أمي.. لماذا أسموكِ “مَريم سيليا “…؟!
-لا أعلَم.. لكن، ربما لسهولة لفظه.. ولأنه اسمٌ عربيّ أولاً.. لكنني (وتضحك ) كنت غاضبة على أبوَي لأنهما لم يسمّياني”فضّة”.. فالفضة قريبة من الذهَب، لكن،ماذا تعني”مريم سيليا “.؟!
ونضحكُ معاً.. وأنا سعيدة أنني استطعتُ تحويلَ إلى الذكريات الجميلة…
( نهاية 17 )
-أذكرُ من طفولتي، أنني كنتُ أشغِلُ نفسي عندما ينام أبي وأمي وقتَ القيلولة، بالعَبَثِ مع “تشي تشو ” والهِرّة.. كنا قد عَوّدناهما على أن نغذيهما بقِطع من اللحم، فصارا عندما يسمعان صوت شحذ السكّين، يتهيّآن للوجبة الدسمة.. لكنني كنتُ أعبث معهما، أحياناً، لأتسَلّى.. فأشحَذ السكين على الحَجَر، وأراقب انفعالهما.. حيث يرفع “تشي تشو ” أذنيه، ويقلبهما في كل الإتجاهات، ناظراً إليّ بعَينِ المُترَقّب.. بينما أسمعُ صوتَ الهِرّةِ “مْياو.. مْياو.. ” تمدّ لسانَها، وتتلمّظ.. تقترب مني.. وتحسّ ظهرَها فوق جلدِ ساقَيّ.. تستعطفني لأطعِمَها.. وكنتُ أضحَكُ، وأعاتبهما على الطمَع :
-للتوِّ أطعمناكما.. فلتذهبا الآن.. إنني – فقط – ألعب…
***
في صباح أحد الأيام، استيقظتُ – كالعادة – قبل أبَوَيّ.. خرجتُ إلى الدار، أستنشِقُ عبيرَ الورودِ التي زرعتها أمي.. زنابق، أغلبها (كالا ) زنبور الستّ.. أبيض، ومن الداخل أصفر.. ورياحين، وحَبَق، وقرنفل.. وكل أنواع وأشكال الزهور التي كانت تنسّقها باقاتٍ، باقات، بشكلٍ يُغري الناظرين…. الناعِم على الجوانب، وتدرّجات الألوان، والأشكال، وتناغمها في الباقات البديعة، تجعل الناس يتسابقون على شرائها في الأعياد والمآتم، وفي كل المناسبات…
تمَطّيتُ قليلاً، وأنا أعبّ من العبير المُنعِش، ورحتُ أصغي إلى هَديلِ الحَمام في الطاقات.. فقد كانت أمي تربّي طيور الحَمام، والدجاج، والبطّ، أيضاً.. وقد يصل عدد فراخها إلى سبعين صوصاً، أو أكثر.. تبيعها للناس، أيضاً.. وتبيعُ بَيضَها.. ونأكل من فراخها، ونُطعِمُ الزّوّار، و نهدي الأصدقاء والأقارب…
تكَدّرتُ، عندما سمعت ما يُشبه الأنين..
أصَختُ السمعَ بانتباه.. فعرفتُ أنه صوتٌ غير عاديّ.. صَوتُ حيوانٍ يتألّم…
تقدّمتُ أكثر.. ورحتُ أبحث عن مَصدر الصوت…
وعندما اقتربتُ من شاحنة أبي التي كان يركنها في طريقٍ ضيقةٍ مُغلَقةً من جانب، تفصلُ بين البيت القديم والغرف الأربع المُقابِلة، التي بَناها حَديثاً، وجعَلَ بينهما مَمرّاً يتسعُ للشاحنة، ومن بعدها، السيارة… كان ينقل البضاعة للزبائن في الشاحنة.. وعندما باعَها، اشترى السيارة، التي جعَلها لخِدمتنا.. يصطحبنا فيها كل يوم عطلة، في نزهةٍ طبيعيةٍ إلى نهر الروخاس…
تسَلّقتُ الشاحنة، بعد أن صرت متأكدة أن صوت أنين الحيوان يأتي منها.. وإذا بجَروٍ صغيرٍ مَقطوع الذيل، يلوذ بصندوق الشاحنة.. يئنُّ، ويتلوّى من الألم، والدماءُ تحتهُ وحَوله، ويبدو أن أحد قُساة القلوب قطَعَ ذيلَه..

(نبضُ الجُذور )… 18
_____________________

عُدنا إلى البيت…
آه..!! كم فرحنا بكَ يا حبيبي… رحمكَ الله يا سليمان…
كان أبوكَ يلاعبكَ، والفرَحُ يملأ كَيانه..وكذلكَ جَدّكَ، كان يضعكَ في حضنه، بعد أن ينزعَ الحِفاضَ عن إليَتِك.. فنؤنّبهُ قائلين:
-قد يعملها فوق ثيابك..!!1فيُجيب :
-الدنيا حَرّ.. حَرّ شديد.. ثمّ، إن عملها، فماذا يحصل..؟! افعَلْها يا جَدّي..إن كان عليكَ “شُخاخَة ” افعَلها في حضني…
وعندما يفعَلها على قميصِه، نضحَكُ عليه.. فيقول :
-كلّها نقطة ماء من طفلٍ طاهِر.. فليفعَلْها.. مابها..!!
-سيكونُ لهُ شأنٌ عَظيم.. سيكونُ شخصيّةً مُهِمّة.. وينالُ شُهرَةً واسِعة.. سيكونُ مَحبوباً من الناس.. وفَعّالاً للخير…”
هكذا تنبّأ لكَ جَدّكَ يا حبيبي.. لكنهُ لم يتنبّأ بوَفاتِكَ في عِزِّ شَبابِكَ يا بُنيّ…
كيفَ صَدَقَتْ كلُّ تنبّؤاتِه..؟! وكيفَ لم يتنبّأ بالكارِثةِ التي حَلّتْ بنا..؟! أم أنهُ تنبّأ، دونَ أن يُعْلِمَنا..؟!
لا..لا…. لاأبي، ولا غيرُهُ يستطيعونَ ذلك.. فكما يقولُ المَثَل :
“الإنسان يعرف أين يولَد.. لكنهُ لايعرفُ أين يموت “…
يبقى عِلمُ الإنسانِ مَحدوداً، يا بُنيّ…….
وتمسَحُ مَريَمُ دموعَها، وتشهَقُ، وهيَ تنظرُ باتجاهِ مَقبَرَةِ الرجالِ المُغطّاةِ بأشجارِ السنديانِ، المُقابلةِ لبيتِها في القرية :
-الحمد لله.. الحمد لله… عيني سليمان…
-طبعاً، يا أمي.. الحمد لله.. فقد كانَ لأخي الغالي شأنٌ عظيم.. وقد اَحَبّهُ الناس.. وسيبقى الجميعُ يذكرونهُ بالخيرِ، والحبّ، مادامَتِ الدنيا… فلا تبكِ يا أمي…
سليمان لم يَمُت… مَن يزرع الحبّ، يحصُد الحُب…
ومَن يزرَعُ الخير، يحصدُ الخير…
فلتطمَئني يا أمي.. ابنُكِ مازالَ حَيّاً… وسيَبقى حَيّاً…
-الحمدُ لله…
تركتُ أمي تستريحُ قليلاً، قبلَ أن تُتابعَ سَردَ الأحداثِ والذكريات.. أسألُها، وهيَ تُجيب…
حاوَلتُ أن أجَفِّفَ الدموعَ من عَينيها المُحمَرّتَين.. خفتُ عليهِما.. فقد أُجرِيَتْ لكلِّ عَينٍ عمليةٌ جراحية، لتبديلِ العَدَسَتين، منذ سنواتٍ قليلة…
تلكَ العَينانِ الخضراوانِ الصافيتان، اللتانِ أورَثَتهما لأخي الغالي… لا أستطيعُ أن أراهُما دامِعَتَين… لكن… آه، يا أمي… فقد كانَ جَفافهما، الإستثناء… ألله يشرح صَدرك…
-أمي.. لماذا أسموكِ “مَريم سيليا “…؟!
-لا أعلَم.. لكن، ربما لسهولة لفظه.. ولأنه اسمٌ عربيّ أولاً.. لكنني (وتضحك ) كنت غاضبة على أبوَي لأنهما لم يسمّياني”فضّة”.. فالفضة قريبة من الذهَب، لكن،ماذا تعني”مريم سيليا “.؟!
ونضحكُ معاً.. وأنا سعيدة أنني استطعتُ تحويلَ إلى الذكريات الجميلة…
( نهاية 17 )
-أذكرُ من طفولتي، أنني كنتُ أشغِلُ نفسي عندما ينام أبي وأمي وقتَ القيلولة، بالعَبَثِ مع “تشي تشو ” والهِرّة.. كنا قد عَوّدناهما على أن نغذيهما بقِطع من اللحم، فصارا عندما يسمعان صوت شحذ السكّين، يتهيّآن للوجبة الدسمة.. لكنني كنتُ أعبث معهما، أحياناً، لأتسَلّى.. فأشحَذ السكين على الحَجَر، وأراقب انفعالهما.. حيث يرفع “تشي تشو ” أذنيه، ويقلبهما في كل الإتجاهات، ناظراً إليّ بعَينِ المُترَقّب.. بينما أسمعُ صوتَ الهِرّةِ “مْياو.. مْياو.. ” تمدّ لسانَها، وتتلمّظ.. تقترب مني.. وتحسّ ظهرَها فوق جلدِ ساقَيّ.. تستعطفني لأطعِمَها.. وكنتُ أضحَكُ، وأعاتبهما على الطمَع :
-للتوِّ أطعمناكما.. فلتذهبا الآن.. إنني – فقط – ألعب…
***
في صباح أحد الأيام، استيقظتُ – كالعادة – قبل أبَوَيّ.. خرجتُ إلى الدار، أستنشِقُ عبيرَ الورودِ التي زرعتها أمي.. زنابق، أغلبها (كالا ) زنبور الستّ.. أبيض، ومن الداخل أصفر.. ورياحين، وحَبَق، وقرنفل.. وكل أنواع وأشكال الزهور التي كانت تنسّقها باقاتٍ، باقات، بشكلٍ يُغري الناظرين…. الناعِم على الجوانب، وتدرّجات الألوان، والأشكال، وتناغمها في الباقات البديعة، تجعل الناس يتسابقون على شرائها في الأعياد والمآتم، وفي كل المناسبات…
تمَطّيتُ قليلاً، وأنا أعبّ من العبير المُنعِش، ورحتُ أصغي إلى هَديلِ الحَمام في الطاقات.. فقد كانت أمي تربّي طيور الحَمام، والدجاج، والبطّ، أيضاً.. وقد يصل عدد فراخها إلى سبعين صوصاً، أو أكثر.. تبيعها للناس، أيضاً.. وتبيعُ بَيضَها.. ونأكل من فراخها، ونُطعِمُ الزّوّار، و نهدي الأصدقاء والأقارب…
تكَدّرتُ، عندما سمعت ما يُشبه الأنين..
أصَختُ السمعَ بانتباه.. فعرفتُ أنه صوتٌ غير عاديّ.. صَوتُ حيوانٍ يتألّم…
تقدّمتُ أكثر.. ورحتُ أبحث عن مَصدر الصوت…
وعندما اقتربتُ من شاحنة أبي التي كان يركنها في طريقٍ ضيقةٍ مُغلَقةً من جانب، تفصلُ بين البيت القديم والغرف الأربع المُقابِلة، التي بَناها حَديثاً، وجعَلَ بينهما مَمرّاً يتسعُ للشاحنة، ومن بعدها، السيارة… كان ينقل البضاعة للزبائن في الشاحنة.. وعندما باعَها، اشترى السيارة، التي جعَلها لخِدمتنا.. يصطحبنا فيها كل يوم عطلة، في نزهةٍ طبيعيةٍ إلى نهر الروخاس…
تسَلّقتُ الشاحنة، بعد أن صرت متأكدة أن صوت أنين الحيوان يأتي منها.. وإذا بجَروٍ صغيرٍ مَقطوع الذيل، يلوذ بصندوق الشاحنة.. يئنُّ، ويتلوّى من الألم، والدماءُ تحتهُ وحَوله، ويبدو أن أحد قُساة القلوب قطَعَ ذيلَه..

(نبضُ الجذور )… 19
_____________________

أخبرتُ أمي.. فأمَرَتني بالإبتعادِ عنه، خوفاً من أن يؤذيني، أو ينقل إليّ بعضَ الأمراض…
-الكَلب نَجاسة.. لا تلمسيه…
-أرجوكِ يا أمي.. أرجوكِ.. أتوَسّلُ إليكِ دَعيني أنقلهُ إلى الدار، وأداوي جِراحَه…
-قلتُ لكِ، لا تفعَلي يا مَريَم.. فقد يعضّك، أو يعديكِ بالأمراض، أو يملأ البيتَ بالبَراغيث…
-أرجوكِ يا أمي.. إنه يتألّم.. ثمّ.. ثمّ، هل هذا الصغير المتألِّم قادر على العَضّ..؟!
وأفلَحتُ أخيراً، بإقناعِ أمي… حَمَلتُ الجَروَ إلى الدار، ونظّفت أمي الشاحنة.. سَكَبتُ فوقه الماءَ بغزارة، وعلبة كاملة من الشامبو.. غسَلتُه جيداً، ونشّفتُه، ثمّ عملتُ لهُ – بمُساعَدَةِ أمي – ضمادةً، وضعناها فوق ذيله.. كنا نبدّلها كل يوم.. عليها كمية كبيرة من الدواء الأحمر، حتى شُفيَ الجَرو…
كنتُ أعِدّ له وجبة الحليب، وأسقيه إياها بالبيبرونة.. إلى أن صارَ يستطيع تناوُلَ الطعام بمُفرَدِه.. أحَمّمه، وألعَبُ معه.. أطلقتُ عليه اسم “تْشي تْشة “…
وقد بقيَ “تشي تشو ” وفيّاً لنا.. يحرس الدار.. ويعرّ كلما اقترَبَ أحدٌ من الباب.. ولا يسمحُ لإنسانٍ بالدخول، إلاّ إذا أمَرناهُ نحن بذلك.. وكثيراً ماكانَ إبن العَرَبِ يخافُ من ذلكَ الكلبِ الضخمِ الذي يهجمُ عليه، وينبحُ بشَراسة، عندما يقترب من باب دارنا.. فيخرج أحَدُنا ليقولَ له :
-تكَلّم بالعَرَبية.. تكَلّمْ بالعَرَبية..
عندها – فقط- كان “تشي تشو ” يَهدأ.. ويعود لينام أمام باب الدار، مُلقِياً برأسِهِ فوقَ قائمَتيهِ الأماميّتين…
فقد كانَ “تشي تشو ” قد ألِفَ لغتَنا.. وصارَ يربطُ سَماعَها، بحَنانِنا عليه.. فيمنحهُ ذلكَ شعوراً بالأمان.. وبقيَ كذلك، حتى بعد أن غادرتُ البيتَ مع زوجي وطِفلي، إلى الوطن.. ولا أعرفُ ما حَلّ بهِ بعدَ ذلك…

(نبضُ الجُذور )… 20
_____________________

كثيراً ماكان “تشي تشو ” والهِرّة، يعربشان على الحائط، يخرمِشان بأظلافِهِما على الإسمَنت، وهما يسقطانِ خائبَين.. في محاولات يائسة للوصول إلى فِراخِ الحَمامِ في الطاقاتِ، التي طَيّنتها أمي في طابِقَينِ متوازيَين، تعيشُ فيها الحَمامات.. تتزاَج، وتبيض، وتفرِّخ…
أما الدجاج، فقد بَنَتْ لهُ أمي خُمّاً، سَقَفَتهُ بألواحٍ من التوتياء، وجَعَلَتْ أمامَهُ مُتّسَعاً كبيراً من الدار، تتجَوّلُ فيهِ الدجاجاتُ والديوكُ وفِراخُها بحُرّيةٍ، مُحاطةً بسِياجٍ منَ الشّبَكِ المعدنيّ.. كنتُ ألهو بفِراخها.. أداعِبُها.. تحميني أمي، وهيَ ترَدّ أمهاتها عني، قبل أن أرخي الصّوصَ، وأتناوَلُ البَيضَ من يديها، لأضعه في “الجْمَيِّم “، قبلَ أن تنقلَهُ أمي إلى البيت.. وتضعه في “القْليتي “، وتبيعه..بعد أن نأكل حاجَتنا منه، ونُطعِم الضيوف، ونهدي الأصدقاء…
كانت هناكَ شجرةُ توتٍ كبيرة، أمامَ بابِ الدار.. عُمرُها من عمر تواجُدِ أمي وأبي فيها..وكانَ في الدار، أيضاً، شجرةُ “بومَلي ” كبيرة الحجم، تحملُ عشرات الثمار الضخمة…
كانت هناك أشجارُ الصفصافِ، والكينا…
اختِلاطُنا بالأجانبِ كانَ قليلاً جداً… غالباً مايقتصِرُ على العلاقات الرسميةِ، كالمُناسَبات، والأعياد.. كان أقرَب جارٍ لنا اسمُهُ “دِيّاس “، وهيَ كِنيَتُه، وتعني “أيّام “.. كان “دِيّاس ” تاجراً.. كانوا يحبوننا ونحبهم كثيراً، لكنّ تعامُلنا بقيَ يقتصِرُ على المُناسَبات، فقط…
كنا نجمَعُ لهُ الحَلَزون.. كان يعملُ في حياكة السلال، وكنا كلما جمعنا له سَلّةً من الحَلَزون،، يديرُ لنا سَلّةً، كأنها ثمنُ الحلزون.. لا أعرفُ إن كانتِ السلالُ من الخيزران، أو ما يُشبهه..
أمي كانت تعملُ أطباقاً من قشّ القمح، وصَواني، و”جْمَيّمات ” و “قْليتات “، من مختلف الأشكالِ والأحجام.. تزيّنُ أطرافها بريشِ الطيور المُلوّنِ، الذي كانت تصبغهُ مع القشّ..
كنا نذهب إلى عند بعض العائلات العربية التي تسكنُ في مناطق تبعد عن الروخاس أكثر من أربعين كيلومتر.. مثل “بارغامينو ” و “خونين ” و “أنخليتا “.. في موسم الحصاد.. كانوا مُزارعين، يزرعون القمحَ والبقول والذرة، في مساحات واسعة من الأراضي، ويضعون عمّالاً يساعدونهم على ذلك…

(نبضُ الجُذور )… 21
_____________________

تجلس أمي فوق مَكدس القمحِ الدائريّ، تنتقي السنابلَ الرفيعة، تقصّ رأسها، وتأخذ سوقَها، تنظّفها من أوراقها الجافة، وتجمعها حزمةً، حزمة.. تصطحبها معها إلى بيتناحيث تنقعها، لساعات، في وعاءٍ معدنيّ واسِع، تكون قد أذابَت فيه كميّةً من بودرة الألوان التي تحبها في الماء.. وعندما يصطبغ القشّ بالألوانِ المختلفة، تنشره في الهواءِ حتى يجفّ.. فتمسِكُ صنارتها المعدنية، وتأخذ قشّةً، تِلوَ أخرى، تحوكُها، وتزيّنها بالألوانِ التي تراها مناسبة… “تضحكُ أمي بأسى، وتَوقٍ إلى تلكَ الأيامِ الهارِبة… تهزّ رأسها، وتتابع ” :
-كمكنتُ أعذّبها عندما كانت تدير..!! تمسِكُ القشّةَ بأسنانِها، تنزعُ رأسَها الخشِنَ بها، لتبقى القشّةُ ناعِمة، وسَهلةَ الحياكة، فيبقى جزءٌ من رأسِ القشّةِ بين أسنانِها.. فأمدّ يَدي إلى فمِها، قائلةً :
-شيليها.. شيليها بقا… (وتضحك )…
كلّ أراضي مُحافظة بوينوس آيرس، ومنها منطقة الروخاس، وما حَولَها، عبارة عن سهول خضراء واسعة.. تكثرُ فيها أشجارُ الكينا، وأشجارُ الصفصافِ الكبيرة جداً، ذات الأغصان الخضراء الوارِفة… لم أرَ الجبالَ طوالَ المدّة التي عشتها في الأرجنتين.. المناطقُ الجبلية كانت بعيدة جداً.. في “سان خْوان ” و “مِندوسا ” و “كوردوبا ” وغيرها.. هناكَ توجَدُ مُرتفعات، وثلوج، ومناطق باردة.. أما عندنا في الروخاس، فكانت تسقط في الشتاء أمطارٌ غزيرة، أحياناً تملأ الرصيفَ الذي أمامَ بيتنا، حتى أننا نخشى دخولَها إلى البيوت.. وعندما نبرُد، كنا نضعُ فوقَ الفُرشِ التي ننامُ عليها، بعضاً من جلودِ الخِرافِ المُجَفّفة.. أبي كان يُصَلي فوق الجُلودِ، في الشتاء.. وفي الصيف، تكثرُ الرطوبة.. لكنّ الحرارةَ، بشكلٍ عام، مُعتدِلة هناك…
كان أبي يصنعُ دواءً لفقءِ الدمامِل، خصوصاً تلك التي تستعصي على الشفاء بالأدوية الصناعية.. كان يمزجُ (شَمعَ النحلِ، مع دهنِ الدجاج.. ويرشّ فوقهُ البخورَ الناعِم.).. يذوّبُ الدهنَ، والشمعَ، ويضعها فوق خِرقةٍ، ثمّ يرشّ فوقها البخورَ الناعِم، ويُلصِقها بالدمّل، الذي كان ينفقئ بعد مدةٍ قصيرة…
مرةً، جاءَتهُ عائلةٌ أجنبية، تستنجد به، وتقول إن رب أسرتها كان يعاني من مشكلة نفسيةخطيرة، بدأت معه عقب انكسار مادي كبير.. كان ينزوي في بيته، ثم في غرفته، ولا يخرج أبداً، حتى انقطع، بعد مدة، عن التواصل مع أسرته.. كان يفكر، ويفكر.. ويصمت…ومع تطوّر المرض، صار يعتدي على أفراد أسرته بالضرب المُبرحِ والطائش.. كلما اقترب منه أحَدهم ليكلّمه، أو حتى دون أن يكلّمه…. استنجَدوا بأبي، لأنهم كانوا يعرفون أنهُ (فيه لله ) وأنّ لديهِ خِبرات كثيرة في كل شيء.. ليكتبَ لهم “كْتيبة “.. فرفضَ أبي، وقالَ لهم :
-هذا الأمر يحتاج إلى أكثر من تَميمة.. علينا أن نعالجَ الروحَ والجَسَد، بالعِلمِ والمعرفة.. نأخذ بالأسبابِ المادّية، ونتكلُ على الله…..
ونصَحَهم بالآتي :
-أولاً، حاوِلوا التقرّبَ منه بالتدريج..
صاحتِ الزوجة :
-كيف سنتقرّب منه..؟! والله كان يقضي علينا…
أجابَها أبي :
-لا.. لا.. إنه يعاني حزناً شديداً، وإحباطاً، وقِلّة ثقة بالآخرين، ويأساً من الحياة… وعلاجُ ذلك :
أولاً : أن تقتربوا منه، بالمَعروفِ، وبالكلامِ الحَسَنِ، الذي تتوَقعون أنه يعجبه.. لكن.. بالتدريج.. ليَنالَ ثقتَكم.. وكلما وثقَ بكم أكثر، طَوِّروا أساليبَ المُعالَجة.. أخرِجوهُ، ليتنزّهَ في الحَدائق، أو أيّ مكان طبيعيّ جَميل..ولا تتركوا له فرصةَ الشرودِ بهُمومِه.. إنما نَبِّهوهُ إلى الجَمالِ الموجودِ حَولَه :
-شوف.. ما أجمَلَ هذه الزهرة..!! وما أجمَلَ هذه الأعشاب الطريّة.. !! اسمَعْ زقزقات العصافير، وطَنينَ النحلِ المِعطاء.. انصُتْ إلى صوتِ الجَداوِل،ِ، وإلى حَفيفِ أوراقِ الشجرِ الناعِم… إلخ
احرصوا على عدم إجباره بالطعام.. فقط، زيّنوا لهُ الصنفَ الذي يحبه، وقدّموه له، وأنتم مُبتسِمين.. شَجّعوه، بالمَعروف.. تعامَلوا معهُ بإنسانية.. واتكلوا على اللهِ تعالى، قبلَ كلّ شيء.. فهو وحده الشافي..
وعندما شفيَ هذا الرجل، جاء إلى أبي، حامِلاً ديكاً أبيضَ مُزركشاً، من نوع (باتاراس )…

(نبضُ الجُذور )… 22
___________________

لم يكنْ أهلي يسمحون لي بالإختلاط بالأجانب.. وأولاد العرب كانوا بعيدين.. إلاّ بعض العائلات، مثل عائلة بيت (أحمد عبد الله ) التي كانت تسكن في الروخاس.. زوجته امرأة أجنبية طيبة العِشرة، كنا نحبهم وكانوا يحبوننا.. كانت ابنتُهما “ديليا ” صديقتي.. كنا نلعب مع بعضنا، أحياناً.. وكنا زميلتين في المدرسة.. وقد أوصَيتُها بأهلي، عندما سافرتُ مع زوجي وطِفلي إلى الوطن…
فبعدَ سنتين وسبعة أشهر من مَجيء عادِل.. جاءتنا رسالةٌ تخبرُنا أنّ عمي (الشيخ مَجيد ) قد أصيبَ بالشّلَل…
جُنّ جنونُنا…
ورحنا نكثّفُ الرسائلَ، ونتتبّعُ الأخبارَ من كلِّ مَصدَر.. وكانت جميعُها أخباراً سيّئة…
ولم نعرف الهناء، منذ أن سمعنا بمرضه… صارت العائلة في حالة لا تحسد عليها من القلق والتوتر والترقب، والتفكير بما على كل واحد من أفرادها أن يفعله إزاء ذلك الحدث الأليم…
فعادل، هو الأكبر سنا من أبنائه الذكور.. وأبي، أخوه الوحيد… لكنهما على بعد آلاف الأميال من الوطن…
كان لابد من السفر.. لكن، كيف..؟! وكم من الترتيبات يحتاج ذلك..؟! أو، بالأحرى.. هل كان ذلك ممكنا..؟
كنا، خلال هذه الفترة الحرجة، نكثف إرسال المال واللباس والحاجات اللازمة لبيت عمي…
لكن الأمر كان قد وصل أقصاه، بعد وصول رسالة تخبرنا بوفاة عمي، بعد تسعة أشهر من مرضه.. يوم السبت، في السابع عشر من رمضان عام 1372هجرية – الموافق للثلاثين من أيار عام 1953م…
صار الأمر يحتم على عادل العودة إلى الوطن.. وكان المنطق يحتم عليّ أيضاً، أن أرافقه…
إذاً، كيف أبقى، ولنا ولدٌ تجاوز العام بقليل، وبطني يكبر ويتسع بحَمل ثانٍ..؟!
كيف يتركني..؟!
وكيف أترك أنا أهلي..؟! أبي، وأمي العجوزين، وأنا أملهما الوحيد في هذه الحياة، وفي هذه الغربة الموحشة..؟! (أمران.. أحلاهما مُرّ..).. لكن أمي شجعتني على السفر :
-اتبعي زوجك يا مريم.. كوني معه، كما كان معكِ، يا ابنتي.

(نبضُ الجُذور )… 23
________________

كانت أمي تحكي لي عن ذكرياتها في الوطن، وعن عَذاباتهم من الفقر والجوعِ والمرَض والحَرب.. مثلاً، أنّ زوجَها، أبا إخوتي، كان يمرضُ كثيراً، وأنّ أهلَهُ أهمَلوه، وهي وحدها كانت تعتني بهِ، وبأبنائهما.. وبعد وفاتِه، ضَمّتْ أبناءها إلى صَدرها، وعاهَدَت نفسَها على حمايتهم ورعايتهم، دون أن تتركَهم يحتاجونَ إلى أحد، وكانت – أثناءَ الثورة – تهربُ بهم إلى الحقولِ والوديان، أو إلى القُرى المُجاوِرة، التي قد تكونُ أكثر أمناً، مثل كلّ الناس الذين كانوا يهربون من القصفِ والموتِ وحَريق قُراهم، ومن مُداهَمات القوّات الإستعماريةِ المُستمرّة.. كانت أمي تحملُ فَرشةً مُهترِئةً على رأسِها، وتضعُ فوقها سَريراً يرقدُ فيهِ ابنُها الأعمى.. يمشي أطفالُها أمامَها، والدوابّ أمامَهم، تخبّؤهم في الوديانِ، تحت جَفناتِ الآسِ أو السنديان، إلى أن ينتهي القصفُ، فيعودوا أدراجَهم إلى قُراهم التي قد تكونُ مَحروقةً عن بِكْرَةِ أبيها.. وأنّ النساءَ الحَوامِلَ كُنّ يَلِدنَ حيثما يفاجؤهنّ المَخاض، في الوديان، أو في بعضِ القُرى، فمثلاً، إبن عمتي (عبد الله ) وَلدتهُ أمهُ في (شْرَيجِس )…
ومرّةً، تعبتْ أمي إلى درجة أنها أنزلت طفلها الأعمى، الذي كانت تحمله في سريره فوق الفرشة، على رأسِها.. خَبّأتهُ في جَفنةٍ، وتابَعَتِ السّيرَ مُسرِعةً مع بقيةِ أبنائها، والدوابّ، عبرَ الأحراش.. إلى أن وَجَدَتْ مكاناً، يُمكنُ أن يكون آمِناً.. خبّأتهم في تلكَ الجَفنة، وطلَبَتْ منهم عَدَمَ الحِراك، إلى أن تحضر.. وعادَت إلى الصغيرِ الذي كانَ يصرخُ مَرعوباً :
-أمي ي ي ي … لا تتركيني يا أمي.. أخافُ أن تأكلني الضّبْعَة…
-لن أترُكَكَ يا صَغيري.. لن أتركَكَ يا أمي… ها أنا قد أتيتُ لأنقلَكَ إلى عندِ إخوَتِك…
-أمي.. ماهذهِ العَصافيرُ التي تزقزقُ بشكلٍ مُرعِب..؟! أنا أخافُ منها أيضاً يا أمي…
فتحمدُ اللهَ على أنّ طفلَها أعمى، ولا يعرفُ أنها ليستْ عَصافيراً، إنما هيَ أصواتُ أزيزِ الرّصاصِ، الذي يمرّ فوقَ رؤوسِهم…
وأنها – مَرّةً – استغَلّتْ هدوءَ القَصْفِ، فجَمَعَتْ أطفالَها حَولَها، وفرَشَتْ أمامهم قطعةَ قِماشٍ، ورغيفاً من خبز الذرة، أو الشعير، أو الشوفان، وفوقَهُ قطعة كبيرة من الزبدة :
-فلتأكُلوا بسرعةٍ يا أمي، قبل أن تعودَ الغارَة…
نزلَ الجميعُ بالطعامِ، بشهيّةٍ لا تقاوَم… وماهيَ إلاّ لحظات، حتى سمعوا دويّ طائرةٍ كانت تمرّ فوق رؤوسِهم، على عُلوٍّ منخفضٍ جداً، تحتَ مُستوى قِمّةِ الجَبَل… تجَمّعَ أطفالُها بسُرعةِ البَرقِ، تحتَ جَناحِ أمهم في الجَفنة، ليروا كيف تنزلُ من الطائرةِ زَخّةٌ من الرصاصِ، فوقَ الطعامِ، لتعجنَ الخبزَ بالزبدةِ، والقماشِ والترابِ والحَصى…
عافَ الجميعُ الطعام… (الفزَع، بيطيّر الوَجَع ).. ويُطَيّرُ الجوعَ، أيضاً… لكنّ أمي حَمدتِ اللهَ كثيراً على نَجاتِها ونجاةِ أطفالِها…
***
حَكوا لي، أيضاً، عن زوجةِ أبي الأولى، وعن طِفِها.. فكثيراً ماكانَ الصغيرُ الحافي، والهزيل، يأتي إلى أمهِ العاثِرة، ويطلبُ منها – كَشَحّاذ – بعضَ حَبّاتٍ من الحمّص، ليمضَغَها بأسنانهِ الطريّةِ، عَلّهُ يُسكِت ذلك الجوعَ الكافِر.. لكنّ الأمّ كانت تعطيهِ بعضَ الحَبات القليلة، مرّةً كلّ يومٍ، فقط.. وتمنع عنه الإسرافَ في ذلك، خشيةَ أن تنفذّ المؤونةُ القليلةُ في وقتٍ قصير، فلا يتبقّى عندها ما تبذرهُ في المَوسمِ القادِم…. يبكي الصغيرُ، ويستعطفُ أمه، التي لم يكنْ هَزيلاً، ولا جائعاً أكثرَ منها.. فتضربه ليسكت…
لكنها – مرّة – لاحَظت أنه لايقوى على النهوضِ من الفِراش، فاستدعَت لهُ أحدَ الشيوخ..إلاّ أنّ الرّقى لم تفِدِ الصبيّ في شيء.. لم يلبثْ أن انقطَع عن الكلامِ والحَرَكة.. بقيتْ عيناهُ جاحِظتانِ، تبدوانِ أكبرَ من أيّ جزءٍ من جَسَدِه.. لم يستجِبْ لإغراءاتِ أمهِ بكَمْشَةٍ من حَباتِ الحمّص، التي كان يحلمُ بها… مَرّرَتها أمامَ عينيهِ، دونَ أن يرفَّ لهُ جَفن.. قرّبَتها من فمهِ، دون أن تتحرّكَ شَفتاه.. حاوَلتْ أن تفتحَ لهُ فمَهُ بالقوّة، لتُدخِلَ بعضَها فيهِ، بعدَ أن تكونَ قد مَضَغتها قليلاً، لتسهّلَ عليهِ ابتلاعها، عَلّ لِسانَهُ يتعرّفُ عليها، فيلتهِمُها بسرعةٍ تكفلُ لهُ العَودةَ إلى الحياة.. لكن.. دون جَدوى….. صَرَختْ بهِ :
-سالِم….. وَلَدي………..!!
لكنهُ لَوى عُنقَهُ، كأنهُ (صوصٌ ) أصابَتهُ (الوَجْعَة )…
صَرَخَتْ أكثر :
-سالِم.. سالِم…… طِفلي……………!!
وجاءَ الناسُ على صُراخِها… أغلقَتْ لهُ سِلفتُها عَينيه :
-ألهل يرحمه، يا أم سالِم.. ألهط يعوِّض عليكِ….
-لا.. لا.. لاتقوليها يا مجنونة.. سالِم.. سالِم.. قُمْ يا وَلَدي، قًم يا حبيبي..مَن قالَ لكَ أنّ الحمّصَ قليل..؟!! مَن قالَ لكَ أنّ (السَّدّون )فارِغ..؟؟!! الحمّص بحر يا سالِم… طِفلي.. حبيبي.. ألا تصدّقني..؟! أنا أمكَ يا سالِم.. فكيفَ أمنعُ عنكَ أكلَ الحمّص..؟؟!!
وهُرِعتْ إلى (السّدّون ) لتنهالَ عليهِ ضَرباً وتحطيماً، بكِلتا يَديها، وقَدَمَيها.. لتنتثرَ عَشَراتُ الحَبّاتِ فوقَ الأرضِ التُرابية :
-انظرْ.. انظر… يلعن أبو الحمّص…
ولم تلبثْ أم سالِم – بعدَ وَفاةِ صغيرِها – إلاّ عدّةَ أشهر، حتى لحِقتْ به….
***
وعن أمي، يومَ طَلَبَتْ من زوجةِ عمي “أمّ عادِل ” أن تعيرَها “بَشْلوقَة ” إن كان عندها، لأنّ قدَميها كانتا قد تفسّختا من المَشي حافية، فأعارَتها “بَشْلوقةً ” قديمةً لعمّي “الشيخ مَجيد ” فانتعَلَتها، ومَشتْ إلى الحقل.. وماهي إلاّ لحظات، حتى سقطت، وانكَسَرَتْ رِجلُها.. فقد كانتِ “البشلوقةُ ” واسعةً جداً.. ممّا أوقَعَها….

(نبضُ الجُذور )… 24
__________________

كان أبي قد وَسّعَ تجارَته، إلى أن صار عندنا مَتجَرٌ كبيرٌ، نبيع فيه كلّ شيء، ابتداءً من البالي، الذي كان أبي يُحضِره لأمي بأكياسٍ كبيرة.. فتفرزهُ وتغسله، وتجفّفه، وتكويه، وتعلّقه، بمُساعدة أبي، على مشجبٍ أعَدّها أبي، في المَتجَر.. فيُقبِلُ الناسُ على شرائهِ، حتى أكثر من الجديد، الذي خصّصت له الجهة المُقابلةمن المَتجر…
هناك، أيضاً، مُتّسَعٌ لأنواع وأشكال متعددة من الأحذية القديمة والحديثة، للنساء والرجال والأطفال.. وركنٌ آخر للأدوات المنزلية، وتجهيز العرائس، وفَرش بيت الزوجية من كلّ مايتطلّبه ذلك من حاجيّات.. خزائن، وفرش، وأسِرّة، وأغطية، وأوانٍ للمَطبخ، وكل مايخطر على البال…
مَرّة، جاءنا خطيبان، ليُجهّزا بيت الزوجية.. وبعد أن اشترَيا كلّ حاجاتهما، وقفا يتساءلان – قبلَ أن يصطحبهما أبي في شاحنته الضخمة، إلى دارِهما – : هل نسيا شيئاً..؟! فسارَعتُ، أنا الصغيرة، إلى تكيرهما بشيءٍ مُهِم :
-نسيتما سَريرَ الطفل…
ممّا أثارَ ضحكهما، وضحِكَ الجميع…
لكنّ الأمرَ لم يطُل بهما سوى عدّة أشهُر، عادا بعدها إلى مَتجرنا، ليسألا عن تلكَ الطفلة الذكية، التي – لو استمَعا لنصيحتِها – لما عادا الآن…
اكتسَبَ أبي وأمي ثقةَ ومَحبةَ الجميع، من جيران، وأقارب، ومَعارف، أجانب، وعرَب…
كان جيراننا، ومعارفنا الأجانب، يُطلِقونَ على أمي اسم (سانتا ) أيّ (القدّيسَة )، لحُسنِ تعامَلها معهم.. وقد أخبرَنا أبي أنها عندما سقطت عن الكرسيّ الهَزّازِ، دون حِراك.. ظنها ماتت.. حاوَلَ إنهاضَها، لكنه لم يستطِع.. فخرَجَ إلى الشارع، وإذا بشابٍّ يركب “موتوسيكلاً “.. فناداهُ طالِباً مُساعَدَتهُ، ففعَل.. وأسعفوها إلى المشفى، حيثُ أعلنَ الطبيبُ أنهُ الفالِج.. بقيَت في ذلكَ المَشفى عدة أيام، قبل أن يُخرِجَها أبي، ليعتني بها وحدَه في البيت.. يحَمّمُها، ويجفّف لها جَسَدَها، يطعِمها ويسقيها بيدَيه، ويغيّرُ لها ثيابَها المُلوّثة.. يُسرِّحُ لها شَعرَها، يمسَحُ على وَجهها، يقبّلها من رأسِها، راجياً إياها – بكلِّ ما أوتيَ من قوّةِ الحبّ، والحَنان : – لاتتركيني وَحيداً، يا سَكينة… أرجوكِ يا سَكينة… فأنا غيرُ قادِرٍ على العَيشِ بَعدَكِ….!!
لكنها ترَكتهُ، بعدَ عامٍ كامِلٍ من المرَض.. صباحَ أحدِ الأيام.. وغادَرَتْ هذهِ الدنيا، غيرَ آسِفةٍ إلاّ على رؤيةِ أبنائا وبَناتِها…..
اجتَمَعَ الجيرانُ، الذين كانوا يحاولون مُساعدةَ العجوزِ على العِنايةِ بزوجتِهِ المَريضة… وكثيراً ماكانوا يُلِحّونَ عليهِ بالرّجاءِ أن يسمَحَ لهم بغسيلِ ثيابِها.. وعندما يسمَحُ لهم، نتيجةَ إعيائهِ الشديد، ينقلون الثيابَ إلى بيوتِهم، ليغسِلوها.. لكنهم لا ينسونَ أن يتركوا قطعةً من ثيابِ (سانتا سَكينة ) غيرَ مَغسولة، تفوحُ منها رائحةُ عَرَقِها، برَكةً في بيوتِهم.. ذِكرى إنسانةٍ جميلةٍ، حَنونة، دافئة، مؤمِنة.. مَنَحَتهمُ الأمانَ والسلام، عَشَرات السنين.. مُحاوِلينَ أن يُطيلوا بَقاءَها معهم أطوَلَ مدّةٍ مُمكِنة………
اجتمَعَ الجيرانُ والأقاربُ والمَعارِف، من كلِّ أصقاعِ الأرجنتين، وبعضِ دوَلِ أمريكا اللاتينية، للمُشارَكةِ بتشييعِ سَكينة، أمَ محمّد.. ويدفنوها في مَقبَرةِ الرّوخاس، في قبرٍ رُخاميٍّ، يرتفعُ عن الأرضِ عِدّةَ سنتيمترات، لهُ شاهِدةٌ نقَشَ عليها ابنُ أخيها “حَكيم “، الذي كان يعمَل بالنقشِ على الرّخام، تاريخَ ومَكانَ وِلادَتِها، وتاريخَ ومَكانَ وَفاتِها، وسورَةَ الفاتِحَةِ، وأبياتاً من الشّعرِ، تؤرّخُ حَياتَها.. تُظَلِّلُ القبرَ شجَرةُ توتٍ كبيرةٌ، تتلاقى أغصانُها بأغصانِ أشجارِ الكينا، والزنزلخت، والصفصافِ، المُتوَزِّعةِ في مساحاتِ تلكَ المَقبَرَةِ المُسَوّرَةِ بحائطٍ مُرتفِعٍ، تعلوهُ قِطَعٌ من حُطامِ الزجاج…….
كانَ ذلكَ في خريفِ عام 1971م.. حينَ تلَقّتْ مَريمُ الخبَرَ، في رسالةٍ ، ناوَلَتها إياها بَتولُ – فَرِحَةً – لأنّ أمّها تلقّتْ رسالةً من الأرجنتين، ظَنّتها تحملُ أخباراً طيّبة………………..
***
تذكّرتُ عندما حَدَثتِ الهَزّةُ الأرضيّةُ في “سان خْوان ” وانهَدَمَتْ عِدّةُ بيوتٍ، ومنها بيتُ ابنةِ خالي “سامية “.. وكيفَ خافَ الأولادُ، وتمَلّكَهُمُ الرّعبُ، وصاروا ينامونَ في العَراء..
وعندما هَبّتْ عاصفةٌ قويّةٌ “إعصار ” طَيّرَتْ أسقُفَ التوتياء، وقطَعَت رأسَ رجُلٍ كان يمشي في الشارِع..
ويومَ رَكِبَ ابنُ “أحمد ابراهيم ” على بَغلتِهِ، بعدَ أن ناوَلتهُ أمهُ شَطيرَةً من الزبدة، وطلبتْ منه أن يذهَبَ ليَجمعَ البقرَ الذي كانوا يتركونهُ يرعى بحُريةٍ في السهولِ الواسِعة.. فرَبَطَ الحَبلَ الذي يُحيطُ بهِ رقبةَ البَغلةِ، على خَصرِه، وراحَ يدهنُ الزبدةَ على الخبزِ، والبَغلَةُ تسيرُ بهِ على طريقٍ ترابيةٍ طويلةٍ، ومُستقيمة، تحيطُ بها من الجانبينِ، أسلاكٌ شائكةٌ، تحمي حقولَ القمحِ، والذرَةِ، المُتراميةِ الأطراف… وعندما أجفِلَتِ البَغلَةُ، سَقَطَ الصبيُّ، ابن الثالثة عشرة، عن ظهرِها، فراحَتْ تجرّهُ، وهوَ مُعَلّقٌ بالحَبْلِ في رقبَتِها.. وكلّما صرَخَ، ازدادَتْ سُرعَتُها، حتى وَصَلَ إلى أهلِهِ مُمَزّقاً، دامياً، مُفارِقاً الحياة.. نتيجةَ دَعسَةٍ من حافِرِ البَغلةِ، ونتيجةَ جَرِّهِ فوقَ الأسلاكِ الشائكةِ، أمامَ أعيُنِ أهلِهِ، وبقيّةِ المُزارِعين… وكيف سَقطتْ أمهُ مَغشيّاً عليها… وكيفَ تناقَلَ الناسُ، أنهُ وُلِدَ ثانيةً، عند جيرانٍ لهم، عَرَب أيضاً، وعَلامةُ دَعسةِ حافِرِ البَغلةِ، ماتزالُ باديةً على صدغِه، وأنهُ – عندما كبرَ قليلاً – وصارَ قادراً على المَشيِ بمُفرَدِه، اتّجَهَ، أوّلَ ما اتجه، إلى بيتِ أهلِه.. وعندما صارَ يحكي، حَكى لهم قصّةَ سقوطهِ عن ظهرِ البَغلة، وتعرّفَ على أهلِهِ وإخوتهِ، بالأسماء.. وتأكّدَ الناسُ أنهُ (بيحدّ بجيله ) حين صارَ يحكي أسراراً بينهُ وبينَ إخوتِه، لا يُمكنُ لأحدٍ أن يعرِفها غيرَهم…
***
أتذكّرُ، كم ضحكوا عليّ، في بيت خالي، عندما كنا نزورهم في العاصِمة، وبعدَ أن بقينا عندهم عدة أيام، حانَ وقت عَودتنا إلى بيتِنا في الروخاس.. فقالت أمي لزوجةِ خالي :
-أمانة، يا زوجة أخي، خذي أبناءكِ، وزورونا، أيضاً.. ترينَ، كم فرِحَ الصغارُ ببعضِهم..!!
ومنطقتنا جميلة، وحلوة.. وسيفرحون أكثر..
أجابَتها زوجةُ خالي :
-إن شاء الله، يا ابنةَ عمي…
فصاحَ الأطفالُ بصوتٍ واحد، مُشجِّعينَ، وداعِمينَ للفِكرة… لكنّ زوجةَ خالي هَدّأتهم، قائلةً :
-لكنّ بيتهم ضَيّق، ولا تكفي الأسِرّةُ لتناموا جميعاً..
فقلتُ لها، مُتحَمِّسةً :
-لا عليكِ، يا زوجة خالي.. أنا، وابن خالي، ننامُ فوقَ بعضِنا…
خجلتُ كثيراً، عندما ضحِكوا على بَراءَتي.. وظلّوا يُذكّروني بها…
***
أدخَلوني المدرسةَ الأجنبية.. لكنني لم أطِقِ الإستمرارَ فيها، سوى أربع سنوات دِراسية…
كنتُ راغبةً – فقط – بتعَلّمِ اللغةِ العربيةِ، قراءةً، وكِتابة.. وهذا لم يحصل إلاّ في البيت…
كنتُ أصطفُّ مع الطلاّب، والطالِبات، في آخرِ الصفّ، لأنني كنتُ أطَوَلهم قامَةً.. ممّا كانَ يُخجِلني…
كنتُ أشعرُ بينهم بالغُربة.. فنحن لم نعتَدْ على إقامةِ علاقاتِ صَداقةٍ مَتينةً مع الأجانب.. بل، كانت زياراتُنا المُتبادَلة تقتصِرُ على المُناسَبات الرسمية.. الأعياد.. والمآتم.. إلخ
فخرَجتُ من المدرسة.. لكنني كنتُ أرغبُ كثيراً بقراءةِ القرآنِ الكريم.. السبيل الأهمّ لأتعلّمَ القراءةَ والكتابةَ بلغةِ أهليَ الأمّ، التي كانوا يشجّعونني على التمَسّكِ بها.. وكانَ يُغريني صتُ أبي وهوَ يرتِّلُ آياتِ القرآنِ الكريمِ، بخشوعٍ تامٍّ، يومياً.. خصوصاً، في شهرِ رمَضان المُبارَك.. قُبَيلَ الإفطارِ، وفي السحور، وقُبَيلَ صَلَواتِهِ الخمس، أو بعدَها.. كنتُ أشعرُ بالسّموّ في عالَمِ الروح، فأتشجّعُ أكثر لأتقِنَ لغتي، كما يُتقِنها أهلي… وكلما كان يزورنا أحدُ أبناءِ العَرَبِ، كنتُ أتعَلّقُ بثيابهِ، راجيةً إياه :
-أرجوكَ يا عَمّي.. أرجوكَ، لاتذهبْ قبلَ أن تُعَلِّمَني آيةً منَ القرآن..
ولم يكنْ أحدٌ يترَدّدُ في تلبيةِ طلَبي..
قرأتُ أحاديثَ الرسول (ص ) وسِيَرَ الأنبياء (ع ).. وقرأتُ كثيراً في (نَهْج البَلاغة )..
قرأتُ (كَليلة ودمنة ) باللغةِ العربية.. وقرأتُ (بَدائع الزهور، في عَجائبِ الدّهور ).. وغيرَها.


رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جولان تايمز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.