داود تركي وحلُّ الدَّولة الواحدة – د. خالد تركي حيفا

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 1 فبراير 2018 - 12:54 مساءً
داود تركي وحلُّ الدَّولة الواحدة – د. خالد تركي حيفا


ما بين شهرَي شباط ونيسان من العام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين، من القرن المنصرم، وقف المناضل داود تركي، ابو عائدة (1)، في قاعة المحكمة المركزيَّة في حيفا، بعد أن اعتُقل بتُهمةِ محاولته إقامة تنظيم كفاحيٍّ سرِّيٍّ يهوديٍّ عربيٍّ، حيث أراد رئيس التَّنظيم تسميته “التَّنظيمُ اليهوديُّ العربيُّ الماركسيُّ” (صحيفة الفجر (2) المقدسيَّة 17.3.1973) وأسمته السُّلطة “شبكة التَّجسُّس اليهوديَّة العربيَّة” الذي عدَّ المئات أو يزيد، حسب المعطيات لاحقًا، من كلِّ مناطق الوطن، من أجل إقامة وطنٍ واحدٍ موحَّدٍ لشعبَي هذه البلاد، على أرض فلسطين التَّاريخيَّة، يقوم على اساس العدل، المساواة، الدِّيمقراطيَّة، السَّلام، العدالة الاجتماعيَّة والعلمانيَّة، بروح الزَّعيم الأفريقيِّ الشُّيوعيِّ نلسون مانديلا، في جنوب افريقيا، حيث وقف ابو عائدة ﴿..كالطَّوْدِ العَظيمِ﴾ (بعد أن سجنوه في زنزانة إنفراديَّة لكسر صموده وعنفوانه لمدَّة أربعين يومًا قيد التَّحقيق والتَّعذيب، الجسديِّ والنَّفسيِّ والمعنويِّ، مانعين عنه الرَّاحة والنَّوم والسُّكون والحديث ورؤية أحدٍ غيرهم، بما فيه محامي الدِّفاع، مهدِّدينه باعتقال ابنته عائدة التي كانت تدرس علم الكيمياء في جامعات استانبول، بعد ان انهت في معهد العلوم التَّطبيقية التِّخنيون شهادتها في الهندسة الكيميائيَّة، في ستِّينات القرن الماضي، لتكون اوَّل فتاة عربيَّة في البلاد تدخل هذا المعهد) إذ “اثناء التَّحقيق هدَّدني المحقِّقون انَّهم يستطيعون الوصول الى ابنتي عائدة، في تركيا، التي تدرس هندسة كيماويَّة.. وهدَّدني المحقِّقون انَّهم يستطيعون الاتِّصال مع السُّلطات التُّركيَّة حيث تدرس عائدة وابلاغهم انَّنا نسحب جنسيَّتها الاسرائيليَّة ونطلب تسليمها لنا ومحاكمتها” (صحيفة الفجر المقدسيَّة 10.3.1973)، وانتصَبَ شامخًا شموخَ جبل الكرملِ على الشَّاطئ الشَّاميِّ، ثابتًا ثبات الشَّمس في القبَّة العلياء، راسخًا رسوخ جبال الجليل الشُّمِّ، شجاعًا صارِمًا هُمامًا في طرح خطابه الارتجاليِّ، “إنِّي أتَّهم” الذي استمرَّ ساعةً كاملةً، حاضرًا منتصبَ القامة بحضرة عناصر المخابرات “الشَّاباك” والشُّرطة والقُضاة، خطيبًا بصوتٍ عالٍ شديدٍ وجهورٍ، وبثقةٍ عاليةٍ ادهشت سجَّانيه، “روحُهُ فوقَ راحَتِهِ”، رافضًا التُّهمة ومدركًا العقوبة، شارحًا موقفه بإسهاب وموضِحًا أنَّه ذو درايةٍ بالعاقبةِ، دون أن يطلب الرَّحمة أو أن يُبدي ندمًا على ما فعله، مع أنَّهم طلبوا منه من خلال محاميَي الدِّفاع، هاغلر وبرغمان، ان يُقدِّم أسفًا وتأسُّفًا واسترحامًا ومغفرةً، كي يحصل على عقوبةٍ مُخَفَّفةٍ حيث رأيا في القضيَّة قضيَّةً قضائيَّةً مجرَّدةً بينما رآها داود تركي وجوديَّة، قوميَّةً، أمميَّةً، عقائديَّة ومصيريَّة:
“لَم يكن بإمكاني خيانة سلطةٍ لم اعترف بها ابدًا ولم اتعهَّد ان اكونَ مخلصًا لها لأنَّني رأيتُ بها دائمًا سلطة احتلال”، لكنَّ التُّهمة التي وُجِّهت لداود تركي كانت: العضويَّة والعمل في منظَّمة غير شرعيَّة، وإقامة علاقة مع عميل اجنبيٍّ..
بعد أن نفى اتِّهامهم ورفض تهمتهم، قال إنَّه لا يهدف المساس بأمن الدَّولة ولا بسيادتها ودَحَضَ وجود إيِّ علاقةٍ مع عميلٍ اجنبيٍّ، وانَّ هدفه سياسيٌّ محضٌ، وسرد في خطابه تاريخ تقسيم المشرق العربيِّ:
“هذا التَّقسيم فُرِض على العرب بالقوَّة وهو غير مُلزِمٍ لأيِّ عربيٍّ” (صحيفة الفجر المقدسيَّة 17.3.1973)..
منذ اتفاقيَّة سايكس بيكو في السَّادس عشر من أيَّار من العام الفٍ وتسعمائة وستَّة عشر، التي كانت تحت مظلَّة فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصريَّة ( دول الإنتانت) وبمباركة آل سعود في الجزيرة العربيَّة وآل هاشم في الضِّفَّة الشَّرقيَّة لنهر الاردن، ومشرقنا العربيُّ في أتونٍ حارقٍ دائم الأُوار، ﴿ويصلَى سعيرًا﴾، وبموجب هذه الاتفاقيَّة يتقاسمون أملاك آل عثمان الآسيويَّة، حيث منحوا الحركةَ الصهيونيَّةَ أرض فلسطين، فبعد وعد آرثر جيمس بلفور المشؤوم، وزير الخارجيَّة البريطانيَّة، في الثَّاني من تشرين الثَّاني من العام الفٍ وتسعمائةٍ وسبعة عشر، وَهَبوا غيرَهم ما لا يملكون، “من كيس غيرك يا مذرِّي ذرِّي” فبريطانيا لم تكن مسيطرة بعد على بلادنا، حيث كانت بلادنا تحت نير سلطة امبراطويَّة بني عثمان الجائرة، وكذلك منحَ آل سعود فلسطين، للحركة الصَّهيونيَّة وخَطَّ السُّلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السُّعود لهم تعهُّدًا “للمساكين اليهود او لغيرهم كما تراه بريطانيا التي لا أخرج عن رأيها حتَّى تصيح السَّاعة” (حيث سلطنوه ليكون طوعَ ايديهم وخاتمًا في إصبعهم، وختمًا لتمرير مؤامراتهم)، إذ خطَّ قرارًا بيده ووقَّع عليه بختمه دون أن ترمش له عين (3).
وقد فضحت الثَّورة البلشفيَّة الاشتراكيَّة العُظمى في روسيا القيصريَّة هذه المؤامرة حين انتصرت على القيصر الكسندر الثَّاني، عام الفٍ وتسعمائةٍ وسبعة عشر..
لقد ذكَّرني اعتقال ابي عائدة والتَّحقيق معه بقصيدة، من كلمات الشَّاعر المصريِّ كمال حليم، التي كنَّا ننشُدها، وما زلنا نحفظها عن ظهر قلب ونحتفظ بها في قلب ذاكرتنا، لحياة القائد الشُّيوعيِّ السُّودانيِّ الشَّهيد في سجون الملك فاروق، الطَّالب في كلِّيَّة الهندسة بالقاهرة، صلاح بشري، حين كنَّا أعضاءً في الشَّبيبة الشُّيوعيَّة:
بين صخرٍ وحديدٍ وأعاصيرٍ وسِل (لأنَّه عانى في السِّجن من مرض السِّلِّ)
وجنودٍ وسدودٍ قتلوا منَّا بطل
حسبوه سيُساوم حينما يدنو المصير
وجدوه حرًّا يُقاوم وهو في النَّزع الأخير
يقول داود تركي في فاتحة خطابه (صحيفة الفجر المقدسيَّة 10.3.1973):
“مصادرة الاراضي والتَّمييز ضدَّ المواطنين العرب في البلاد، والملاحقات ضدَّ العمَّال العرب والمواطنين العرب وهدم الدُّور، كلُّ هذا قوَّى لديَّ التَّفكير في الشُّيوعيَّة، وكنتُ اتَّخِذُ مثالي في ذلك نجيب اسبيريدون (4)، لهذا التحقتُ بالحزب الشُّيوعي عام ألفٍ وتسعمائة وثمانية واربعين، الامر الذي زاد الملاحقات ضدِّي، لأنَّني لستُ عربيًّا فحسب بل شيوعيًّا ايضًا”.
يُذكر أنَّ داود تركي كان يعمل في سلطة الجمارك الانكليزيَّة، في عهد الانتداب،
وحين سُئل عن قرار التَّقسيم، أعلن معارضته للتَّقسيم، مؤيِّدًا وحدة الوطن والبلاد الجغرافيَّة، فلسطين، بجميع سكَّانها ومواطنيها، لتكون دولةً علمانيَّةً، لذلك فُصِل من عمله..
يقول داود تركي في افادته امام محقِّقيه والقضاة:
بعد حرب حزيران خطرت ببالي فكرة انَّه يجب اقامة تنظيم جديد يؤمن بالماركسيَّة اللينينيَّة ويتعلَّم من تجارب وافكار ثوريِّين آخرين في العالم مثل البطل الأمميِّ تشي جيفارا وزعيم الحزب الشُّيوعيِّ الصينيِّ ماو تسي تونغ..(صحيفة الفجر المقدسيَّة 17.3.1973).
لقد حاول المناضل داود تركي في خطابه، “إنِّي أتَّهم” إظهار الحقِّ وإزهاقِ الباطل، بالتَّأكيد على النِّضال المشترك بين أهل البلاد الأصليِّين بكلِّ دياناتهم، بلُحمةٍ واحدةٍ، يدًا بيدٍ، وكتفًا بكتفٍ، عندما تكلَّم عن الشَّراكة اليهوديَّة العربيَّة والعيش السَّويِّ المشتركِ تحت قُبَّة الوطن الواحد، داعيًا جميع أطراف وأطياف الشَّعب إلى محاربة الصهيونيَّة، التي دخلت في النَّسيج العربي المتجانس نوعًا ما، لتقسيمه، فرِّق تسُد، حسب دياناته ومذاهبه، بين مسلمين ودروز ومسيحيين ويهود، حيث وقف عالي الجبين، “والرَّدى منهُ خائفُ” في المحكمة مخاطبًا الجميع:
“نحن العرب في اسرائيل نعاني من التَّمييز القوميِّ، الدِّينيِّ والعنصريِّ. وكلُّ شعب يحترم نفسه يثور ضدَّ ظلمٍ كهذا، أنا جزء من الشَّعب العربيِّ الفلسطينيِّ، الذي يشكِّل جزءًا لا يتجزَّأ من الأمَّة العربيَّة العظيمة والتي يمتدُّ موطنها من المحيط الأطلسيِّ وحتى الخليج العربيِّ. بادرتُ إلى إقامة التَّنظيم كَي أُشرِك يهودًا في هذا النِّضال، كي يكونوا جزءًا منَّا ومتساوين مع كلِّ المواطنين في بلادنا. بما أنَّ الصَّهيونيَّة وضعت اليهود في نزاع مستمر مع الشَّعب العربيِّ وتجاهلَت الحقيقة التَّاريخيَّة عن فترة ازدهار اليهود في الأندلس تحت الحكم العربيِّ. بدل أن يحارب اليهودُ العربَ، علينا ان نحارب معاً ضدَّ الغرباء” (ثائر من الشَّرق العربيِّ، مذكَّرات،
داود تركي، 1998، ص 93).
لقد فنَّد داود تركي الدِّعاية الصَّهيونيَّة، الميتوس الصَّهيونيَّ، والذي من خلاله جنَّد يهود العالم الى الهجرة إلى بلادنا، بحسب مقولة هرتسل “ارض بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض” بالتَّرغيب تارةً (القدوم إلى أرض السَّمن والعسل، أرض الميعاد حسب التَّوراة) وبالرَّشوة تارةً أخرى (حيث قاموا بدفع مبالغ من المال لحكومة المغرب لكي تسمح لهم بمغادرة وطنهم، اقرأ كتاب المرَّاكشيُّون لدانيال بن سيمون)، وبالتَّرهيب والارهاب تارةً أخرى (تفجيرات كُنُس بغداد والقاهرة وغيرها) وبتحريضهم على وطنهم الأم من أجل تركه او بنشر الفكر الصَّهيوني بين يهود العالم حتَّى يتركوا وطنهم ويُهاجروا إلى بلدي، فيقول في قاعة المحكمة جهارًا، قال: (صحيفة الفجر المقدسيَّة 10.03.1973):
“إنَّ الصَّهيونيَّة التي تؤمِن بتهجير جميع اليهود في العالم الى هذه البلاد استغلَّت هذه الفكرة ضد الشَّعب العربيِّ الفلسطينيِّ ولم تأخذ بالحسبان حتَّى وجود هذا الشَّعب في وطنه، وطن ذلك الشَّعب الذي عاش هنا آلاف السِّنين”.
ويتابع في الخطاب قائلاً (صحيفة الفجر المقدسيَّة 10.03.1973):
“بل للصَّهيونيَّة تطلُّعات حتَّى ابعد من المناطق التي احتلَّتها سنة الف وتسعمائة وسبعة وستِّين نحو مناطق اخرى لكي تستكمل حدود مملكة اسرائيل التَّاريخيَّة”.
حيث يعتقد داود تركي انَّ على اليهود ان يناضلوا في بلدانهم ضدَّ اضطهادهم وضدَّ كلِّ تمييز يلحق بهم، وليس بهجرتهم إلى بلاد أخرى ليستوطنوا بها على حساب الشَّعب الآخر، لقد استقبلهم شعبُنا وأحسن وفادتهم حينها، على أنَّهم مضطَّهدون في بلادهم وعلى شعبنا نصرة الحقِّ ومساندة المظلومين (كما كان يقول جدِّي سمعان، ابو داود، على لسان والدي خ.ت.) حيث يقول ابو عائدة: “اعتقد أنَّه كان على الشَّعب اليهوديِّ أن يحلَّ مشاكله في الدُّول التي عاش فيها ضدَّ كلِّ تمييز وهو يحظى بذلك بعطف الشُّعوب ولكن تهجير اليهود وتكتيلهم، كلِّهم، هنا في فلسطين التي انا جزء من شعبها، ليس هذا هو الحلُّ الصَّحيح..”
لقد أتى إلى المحكمة ليُدلي بشهادة دفاع عن داود تركي، طواعيَّةً وعلانيَّةً ودون أن تكون بينهما معرفةٌ سابقةٌ، د. يسرائيل شاحك، الذي اشتهر بتأييده للقضيَّة الفلسطينيَّة ومناصرته للشَّعب العربيِّ الفلسطينيِّ في تقرير مصيره على ارض وطنه الذي لا وطن له سواه، وهو استاذ ومحاضر في موضوع الكيمياء العضويَّة، في الجامعة العبريَّة بالقدس، ورئيس لجنة حقوق الانسان في البلاد، حيث دأب على فضح اساليب التَّعذيب الوحشيَّة للسُّجناء السِّياسيِّين واسرى الحرب، وكشف انتهاك خروقات الدَّولة للقوانين والمعاهدات الدُّوليَّة، وهو أحد النَّاجين من معسكرات الإبادة النَّازيَّة، أوشفيتس، ابَّان الحرب العالميَّة الثَّانية، بعد أن حاول محقِّقو الإدِّعاء الاستهزاء منه، لِثَنيه عن الدِّفاع عن داود، لكنَّه قال: “لو عانى اليهود في أيِّ بلادٍ عُشْر ما يُعانيه العرب الفلسطينيُّون في اسرائيل تحت الحكم الصَّهيونيِّ لتمرَّدنا وقلبنا الدُّنيا. إنَّ من حقِّ كلِّ عربيٍّ فلسطينيٍّ أن ينتفض ويتمرَّد وأن يقاوم حكم القمع الصَّهيونيِّ” (ثائر من الشَّرق العربيِّ، مذكَّرات، داود تركي، 1998، ص 95)..
لقد صرَّح داود تركي لمحقِّقيه: “آمنتُ في الماضي كما أومن اليوم، أنَّه بطريق الكفاح اليهوديِّ العربيِّ المشترك، للذين يؤمنون بالاشتراكيَّة التي سوف تتحقَّق حين يحين الظَّرف المناسب لذلك، لرفع مستوى الطَّبقة العاملة والفلاحين من الشَّعبين لكي نستطيع استلام الحكم وتُبنى الاشتراكيَّة” (صحيفة الفجر المقدسيَّة 17.3.1973).
يقول المناضل أبو عائدة، داود تركي في المحكمة: “نحن نحارب من أجل استقلال بلادنا، منذ الحكم التُّركيِّ والذين رأينا بهم ايضًا محتلِّين غرباء، وكفاحُنا الدَّائر في فلسطين التي احتُلَّت من قبل الصَّهيونيَّة هو استمراريَّة لنضال بدأ في القرن الماضي ضدَّ حكم الأتراك”. (ثائر من الشَّرق العربيِّ، مذكَّرات، داود تركي، 1998، ص 93).
لم يُكِنْ ابو عائدة الكراهيَّة لأحد، بسبب إنتمائه الإثنيِّ أو العرقيِّ أو القوميِّ أو الدِّينيِّ أو المذهبيِّ ولم يَكُنْ عنصريًّا أو متزمِّتًا أو متطرِّفًا، بل دعا إلى توحيد كافَّة القوى، يهودًا وعربًا، لبناء وطنٍ واحدٍ مشتركٍ لجميع مواطنيه، وحثَّ يهود البلاد على التَّخلُّص من الصَّهيونيَّة ودعاهم إلى شراكة أمميَّة تحت سقفِ وطنٍ واحدٍ، لأنَّ الصَّهيونيَّة تُشكِّل عائقًا امام العمليَّة السِّلميَّة ومانعًا للتَّحرُّر وهادمًا للاستقرار وكابحًا للهدوء والطَّمأنينة والتَّقدُّم، لقد عاش اليهود في البلاد العربيَّة بطمأنينة ورغد إلى أن انتقلت الحركة الصَّهيونيَّة من اوروبا إلى وطننا العربيِّ وحوَّلت حياة شرقه وغربه الى جحيم!
“أنا لا أنادي فقط بالتَّحرُّر القوميِّ بل من أجل التَّحرُّر الاجتماعيِّ وإقامة مجتمعٍ
عادلٍ يدعو إلى المساواة بين النَّاس، لا فرق في الدِّين أو الأصل، متساوون أمام القانون، أنا لا أقول هذا بالنِّسبة لليهود فقط، بل بالنِّسبة لكلِّ محتلٍّ مهما كان دينه. الصَّهيونيَّة تعرض صراعها مع العرب كصراعٍ دينيٍّ، بين اليهوديَّة والإسلام. وهذا تشويه هدفه إخفاء الحقيقة كي تحصل على تأييد العالم الغربيِّ بعد الكارثة”.
(ثائر من الشَّرق العربيِّ، مذكَّرات، داود تركي، 1998، ص 94).
وقال: “بالرَّغم من كوني مواطنًا اسرئيليًّا أشعر بأنَّني عربيٌّ فلسطينيٌّ جزءٌ من الشَّعب العربيِّ الكبير، وتوجُّهي أمميٌّ ومن هنا لا أرى أيَّ حدود بيني وبين زملائي اليهود، أعتقد أنِّي كعربيٍّ، أعمل من أجل شعبي الفلسطينيِّ واليهود كيهود يعملون من أجل شعبهم اليهوديِّ، يجب أن نعمل سويَّةً لتجنب الحروب وسفك الدِّماء. أنا لا أكره أيَّ شعبٍ، ولنفرض أنَّ الفرنسيَّ، الذي هو مسيحيٌّ كاثوليكيٌّ مثلي، الذي جاء إلى هذه البلاد بنفس الصُّورة التي جاءت به الصَّهيونيَّة كنتُ سأقاومه” (صحيفة الفجر المقدسيَّة 10.03.1973).
أنا لا أكره النَّاس
ولا أسطو على أحد
ولكنِّني إذا ما جُعتُ
آكل لحم مُغتصبي (الشَّاعر محمود درويش)
يقول داود تركي في افادته:
“بالرَّغم من انَّني مواطنٌ اسرائيليٌّ الا انَّني اشعر بكوني عربيًّا فلسطينيًّا، جزء لا يتجزَّأ من الشَّعب العربيِّ بدوره جزءًا من الأمَّة العربيَّة الكبرى ورغم كلِّ ذلك فهذا لا يمنعني ان اكون امميًّا ولا اجد ايَّ موانع بيني وبين رفاقي اليهود..” (صحيفة الفجر المقدسيَّة 17.3.1973).
يكتب داود تركي في مذكَّراته:”كنتُ مقتنعًا بعدالة نضالي ومستعدًّا للموت في سبيله كجنديٍّ يحارب ضدَّ الجور ومن اجل العدلِ. لم يكُن ايُّ قرارِ حكمٍ ليُخيفني أو ليجعلني اشعر بالنَّدم. نظرتُ الى نفسي كجندي في المعركة..”.
(ثائر من الشَّرق العربيِّ، مذكَّرات، داود تركي، 1998، ص 98).
كلُّ محتلٍّ دخل بلادنا دُحِر وعاد أدراجه من حيث أتى، ارتدَّ التتار إلى منغوليا،
ورجع الصَّليبيُّون إلى أوروبا، وآبَ الفرنسيُّون إلى فرنسا، وكُنِسَ البريطانيُّون إلى انكلترا، “لكنَّ الصَّهيونيَّة حرقت الجسور بين اليهود وبلدانهم الأصليَّة. فإلى أين سينسحب اليهود، لذا نحن نستقبلهم كمتساوين في بلادنا على الرَّغم من أنَّ لا حقَّ لمعظمهم في المواطنة ولكن عليهم مشاركتنا في نضالنا من أجل توحيد وطننا العربيِّ” (صحيفة الفجر المقدسيَّة 10.03.1973).
لقد كان داود تركي ورفاقه اليهود والعرب يدخلون المحكمة ويخرجون منها وهم يُنشدون نشيدَي “الأمميَّة” و”يا شعوب الشَّرق” وقد كان الرِّفاق اليهود الذين لا يجيدون العربيَّة مرافقة النشيد “بموسيقى صوتيَّة” تتلاءم مع ايقاع النَّشيد (صحيفة الفجر المقدسيَّة 10.03.1973):
يا شعوب الشَّرق هذا وقت ردِّ الغاصبين
فاركبوا الهول الشِّداد واصطلوها باسلين
طال عهد النَّوم فيكم والأعادي ساهرون
أنعيم وبنوكم في الفيافي تائهون
شتِّتونا في المنافي واملأوا منَّا السُّجون
سوف تأتيكم ليالٍ برقها حتف المنون
يا شعوب الشرق هيا لنضالنا المبين
سوف نحظى بالحرية رغم انف الغاصبين
وعندما صدر قرار الحكم الجائر عليهم، سبعة عشر عامًا، استقبله داود تركي ورفاقه وبعفويَّة ثوريَّة شدَّت عزيمة المؤيِّدين وشلَّت دُبر الحاكمين، حين وقفوا بثباتٍ وعزَّةٍ وكرامةٍ ليُنشِدوا نشيد “الأمميَّة”، كلٌّ بلُغتِهِ..
هُبُّوا ضحايا الاضطهاد ضحايا جوع الاضطرار
بركان الفكر في اتِّقاد وهذا آخر انفجار
هبُّوا نمحو كلَّ ما مرَّ هبُّوا حطِّموا القيود
وابنوا الكون جديدًا حرًّا وكونوا انتم الوجود
بجموع قويَّة هبُّوا لاح الظفر غدُ الأمميَّة سيشمل البشر
بعد اصدار الحكم عليه، سبعة عشر عامًا سجنًا فعليًّا بتهمة خيانة دولة اسرائيل، وقف قائلاً:”هذه المحكمة اعتادت ان تسمع في مراحل نهاية المحاكمة طلبات استرحام من اجل تخفيف الحكم على المتَّهمين، امَّا انا فبعكس هذه العادة، لا اطلب الرَّحمة من هذه المحكمة ولا من ايِّ شخصٍ في العالم..لأنَّني اؤمن انَّني وُلِدتُ كانسان مع حقِّ الحياةِ كانسانٍ حرٍّ في وطني، وهذا الحقُّ هو حقٌّ طبيعيٌّ” (ثائر من الشَّرق العربيِّ، مذكَّرات، داود تركي، 1998، ص 97).
“متى استعبدتم النَّاس وقد ولدتهم امهاتهم احرارًا” (الخليفة الفاروق عمر بن الخطَّاب).
يقول داود تركي في قصيدته “أديب أخي” (قصيدة كتبها لرفيقه اودي اديب (5)، الرَّجل الثَّاني في التَّنظيمُ اليهوديُّ العربيُّ الماركسيُّ، حُكم بنفس مدَّة السِّجن التي حُكم فيها داود، حيث دأبت الحكومة على تسريحه من الأسر قبل ان تدخل عمليَّة النَّورس، لتبادل الأسرى، الى حيِّز التَّنفيذ ببضعة أشهرٍ، حتَّى لا يكون تحريره عن طريق الجبهة الشَّعبيَّة لتحرير فلسطين، القيادة العامَّة، بقيادة أحمد جبريل، ممَّا يحمل في طيَّاته احراج):
سلامي لليهود بكلِّ أرضٍ إذا قبلوا السَّلام يفي المزيد
إذا ودُّوا معي عيش التَّساوي سيشملهم به الفجر الجديد
ويغمرهم ودادًا مستزيدًا دمقراطيَّة وندى يسود
ويتابع:
إنَّني صادق بوجوب اشراك اليهود في التَّنظيم لأنَّ لليهوديِّ الحقَّ في العمل معنا،
اعترفُ انَّه يحقُّ للشَّعب اليهوديِّ أن يعيش معنا في دولةٍ واحدةٍ تُعامِل بالتَّساوي جميع مواطنيها..سوف استعين بالطَّبقة العاملة والفلاحين الاشتراكيِّين خصوصًا بعد حرب حزيران انَّ هناك اتِّجاه اشتراكيٌّ قويٌّ لدى الجماهير. (صحيفة الفجر المقدسيَّة 17.3.1973).
يكتب داود تركي في مجلَّة “الاشتراكيَّة الجديدة” (فصليَّة لفكر اشتراكيٍّ جديدٍ، عدد رقم 1، شتاء 1997 ص92): “ويتوجَّب أن نوحِّد فلسطين مع كلِّ لاجئي 1948 و1967 وبناء شيء جديد هنا من خلال النَّوايا الطَّيبة للطَّرفين مثلما حدث في جنوب افريقيا. فلنُنهِ النِّزاعات وإراقة الدِّماء والحروب. وإيَّاك أن تفكِّر أن العرب سيصوِّتون للعرب، فانا سأنتخب الانسان الملائم لقيادة الدَّولة وقد تقوم الاغلبيَّة باختيار رئيس يهوديٍّ. وانا قادر على العيش مع اليهود ولا مشكلة لي معهم. بنفس روحيَّة نيلسون مانديلا في جنوب افريقيا من اجل اقامة نظام يقوم على المساواة بعيدًا عن التَّفرقة والتَّمييز في هذه البلاد”.
وقد تطرَّق في خطابه أيضًا لنظام الحكم في البلاد: “الديمقراطيَّة الاسرائيليَّة هي
ديمقراطيَّة الطَّبقة الحاكمة وليست ديمقراطيَّة مطلقة، لهذا فإنَّ أيَّ عمل يمكن أن يمسَّ الصَّهيونيَّة سوف يُعرِّض مرتكبيه لملاحقات ومطاردات وتصبح عندها دكتاتوريَّة..رأيت أنَّ من حقِّي عدم ملاءمة آرائي مع السُّلطة..”(صحيفة الفجر المقدسيَّة 10.3.1973)، “فهناك انظمة كثيرة تدَّعي الدِّيموقراطيَّة ولكن في اللحظة التي تتضرَّر فيها مصالح الطَّبقة الحاكمة، يتنازلون عن الدِّيموقراطيَّة مُتحوِّلين الى دكتاتوريَّة” (مجلَّة “الاشتراكيَّة الجديدة” فصليَّة لفكر اشتراكيٍّ جديدٍ، عدد رقم 1، شتاء 1997 ص93).
يختتم المناضل داود تركي خطابه في المحكمة “إنِّي أَتَّهِمُ”:
“قاوم شعبُنا الصَّليبيِّين الذين احتلُّوا البلاد مستغلِّين شعار الدِّين وبدعوة حماية المسيحيِّة في فلسطين،..وماذا كانت نهاية الصَّليبيِّين؟ معروف مصيرهم لجميعنا يهودًا وعربًا. والتَّتار والاتراك الذين اتَّخذوا من الاسلام ذريعةً حكموا الدُّول العربيَّة واضطهدوا الشَّعب العربيَّ وهدموا ثقافتَهُ ولغتَهُ وآدابَهُ تحت شعار الإسلام، واين اصبحت اليوم حدودهم! من أجل منع تكرار هذا التَّاريخ مع الشَّعب اليهوديِّ حيث أنَّه لن يجدَ إلى أين يعود..والشَّعب اليهوديُّ الذي ترك البلاد التي كان يعيشُ فيها، إذا ما طُرِدَ من هذه البلاد إلى اين سيذهب؟ لهذا اعود واكرِّر مصير اليهود مع الشَّعب العربيِّ ضدَّ الاستعمار وليس مع الاستعمار ضدَّ الشَّعب العربيِّ، الصَّهيونيَّة هي التي تخدم الاستعمار، لا تؤمن بالتَّعاون اليهوديِّ العربيِّ، مصلحة الشَّعب العربيِّ أن يساعدَه اليهودُ في القضاء على الرَّجعيَّة العربيَّة والملَكيَّة والخَوَن الذين يظلمون الشُّعوب العربيَّة ويحكمونها بالحديد والنَّار، ضدَّ التَّمييز والعنصريَّة التي تنتهجها بعض الحكومات العربيَّة” (صحيفة الفجر المقدسيَّة 10.3.1973).
خلال فترة سِجنه، سجن الرَّملة، بينما كان متوجهًا إلى عمله في السِّجن، ذات صباح، مرَّت بقربه سجَّانة يهوديَّة، فحيَّته بصباح الخير، وقد تكرَّرت تلك التَّحيَّات مرات عديدة فقام سجَّان آخر بنهيها عن هذه التَّحيَّة لهذا الشَّخص، وتوبيخها وتحذيرها من تحيَّته مرَّة أخرى وغابت عن الأنظار، فقام الإنسان داود تركي بنظْم مشاعره، من خلال قصيدة “ابنة العمِّ”، وتكتُب مجلَّة “الاشتراكيَّة الجديدة” (فصليَّة لفكر اشتراكيٍّ جديدٍ، عدد رقم 1، شتاء 1997 ص 100): “وفي حدود علمنا تُعتبر هذه القصيدة هي القصيدة الوحيدة التي كُتبت ذات يوم من قبل سجين لسجَّانه، يقول فيها:
عن ابنة عمِّي ابنة الانسان فرَّقني قطٌّ ومنع الاقتراب
لِشدَّة أسفي وشى بنا سجَّانٌ اسوَدُ القلب فأُغلقت الأبواب.
اعتبر داود تركي أنَّ الكفاح والنِّضال ضدَّ الاحتلال هو حقٌّ شرعيٌّ بل وواجب
على الواقعين تحته، تمامًا كما فعلت الشعوب الأخرى حين وقعت تحت الاحتلال “من حقِّ العربِ هنا ايضًا مقاومة الاحتلال بكلِّ الوسائل التي يراها هؤلاء المواطنون مناسِبةً كما انَّ هذا ليس حقًّا فقط، بل هو واجب على الواقعين تحت الاحتلال كما انَّ الواجب يستدعي كلَّ انصار الحرِّيَّة في اسرائيل دون التَّمييز بين العرب واليهود تأييد ومناصرة الواقعين تحت الاحتلال” (صحيفة الفجر المقدسيَّة
10.03.1973).
إنَّ داود تركي يُفكِّر كما يشاء بهُدى العقيدة الأمميَّة ويقول ما يُفكِّر به الشُّيوعيُّ بثباتٍ وشجاعةٍ دون وجل أو خوف ويفعل ما يقوله ومستعدٌّ لدفع الثَّمن مهما كان باهظًا، “كلُّ شبرٍ من ثراها دونه حبلُ الوريد”، كان هكذا حين سُجِنَ وحين حُرِّرَ كما هو دون أن يتنازل عن موقفه قيدَ انملة، ﴿..وما بدَّلوا تبديلا﴾ وخير برهان كانت المقابلات الصَّحفيَّة التي كانت اُجرِيَت معه عند تحريره في عمليَّة النَّورس عام الف وتسعمائة وخمسة وثمانين، تبادل الأسرى بين اسرائيل والجبهة الشَّعبيَّة لتحرير فلسطين القيادة العامَّة بقيادة احمد جبريل، حين سألوه إن كان نادمًا على ما فعله أجاب: “لقد دفعتُ الثَّمن لماذا تريدونني ان ادفعه مرَّة أخرى”، فالشُّيوعيُّ الحقُّ لا يكذب، لأنَّه يملك النَّصر والمستقبل “غدُ الأمميَّة سيشمل البشر” فالصِّراع في شرقنا النَّازف هو بين محتلٍّ شرسٍ اغتصب وطنَنا وطرَد اهلَنا منه وبين شعب رازح تحت الاحتلال ولاجئ في وطنه أو في المنفى القسريِّ يصبو إلى حرِّيَّته وتحرُّره وعودته إلى وطنه ودياره وإلى كسر الأصفاد وإنهاء الطُّغيان والغبن وكنس الاحتلال إلى غير رجعة..
ملاحظة: لقد أتيتُ على كتابة هذه المقالة، نزولاً، عند طلب رفيقي وجاري
العزيز عيسى ديبي، حيفا، أستاذ مشارك ورئيس لقسم الفنون والتَّصميم في كليَّة
الفنون في جامعة مونتكلير، نيويورك، الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، كمقدِّمة لكتابه المسرحيِّ عن محكمة داود تركي، حيث مثَّل فيها كمُتَّهم امام المحكمة العسكريَّة، وبيَّن فيها قضيَّة الصِّراع والتَّحريض والتِّشويه لحقيقة ما طرحه داود تركي في خطابه أمام المحكمة، والتي عُرضت في البلاد ولبنان ومصر والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وغيرها.

(1) ولد المناضل داود سمعان تركي داود في قرية المغار، على جبل حزُّور، قضاء طبريَّا، جنوب شرق جبال الجليل، فلسطين، في الثَّامن من تشرين الأوَّل من العام السَّابع والعشرين من القرن العشرين، حيث انتقل ووالديه، سمعان تركي داود وصديقة ميخائيل خوري، الى حيفا بحثًا عن رزقها في العام الثَّاني والثَّلاثين، والتحق بالمدرسة الإبتدائيَّة، المدرسة الأسقفيَّة للرُّوم الكاثوليك، في كنيسة السَّيِّدة، الواقعة في حارة الكنائس. لم يُنهِ داود دراسته الثَّانويَّة بسبب الحالة الاقتصاديَّة الصَّعبة، وبدأ يعمل في قسم الجمارك، في ميناء حيفا. فُصِلَ في عام النَّكبة من عمله لمعارضته قرار التَّقسيم، وكان عضوًا في عصبة التَّحرُّر الوطنيِّ..
تزوَّج داود من خزنة يوسف تركي، ابنة عمه، وانجبا ثلاث بنات وهنَّ عائدة، جورجيت ونضال. عمل صيَّادًا للسَّمك، وبعدها في مطبعة الإتِّحاد التَّعاونيَّة، في حيفا، حيث كانت تُطبع هناك صحيفة الاتِّحاد، صحيفة الحزب الشُّيوعيِّ، وغيرها من ادبيَّاته، الغد والجديد.. ومن ثمَّ عمل بائع كتب متجوِّل، إلى استقَّر به التِّرحال في مكتبة النُّور الواقعة في زاوية شارعي الخوري وصهيون.
اعتُقل عام الف وتسعمائة واثنين وسبعين، في الخامس من كانون الأوَّل، بعد ان حاول تأسيس تنظيم يهوديٍّ عربيٍّ ماركسيٍّ، من اجل بناء دولة فلسطين العلمانيَّة من البحر إلى النَّهر، لجميع سُكَّانها، وحُكم عليه بالسجن سبعة عشر عامًا، قضى منها اثني عشر عامًا ونصف العام، بعد أن تحرَّر في عملية تبادل للأسرى في صيف عام الف وتسعمائة وخمسة وثمانين، التي كانت بين الجبهة الشَّعبيَّة لتحرير فلسطسين، القيادة العامَّة، بقيادة أحمد جبريل، والحكومة الإسرائيليَّة، في عمليَّة النَّورس.
استقرَّ في حيفا، في بيته في وادي النِّسناس، وفضَّل البقاء في الوطن وبقي في حيفا، رغم أنفهم، لغاية ارتقائه الى الرَّفيق الأعلى في الثَّامن من آذار، عام الفين وتسعة.
(2) صحيفة الفجر بدأت في الصُّدور في شهر نيسان من العام الف وتسعمائة واثنين وسبعين، في مدينة القدس، لصاحبها يوسف نصري نصر. حيث اتَّبعت الصَّحيفة خطًّا معاديًا بشدَّة للأردن وعملائه في الضِّفَّة الغربيَّة لنهر الأردن وقطاع غزَّة، ومؤازًا لمنظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّة، المُمثِّل الشَّرعيِّ والوحيد للشَّعب العربيِّ الفلسطينيِّ، ومدافعًا عنها ومناصرًا للجبهة الوطنيَّة، ممَّا اثارت حفيظة الاردن وعملائها، محمَّد علي الجعبري، مثالاً لا حصرًا، حيث تبيَّن لاحقًا أنَّه لهذه الأسباب فقط، تمَّ خطف واغتيال صاحب الجريدة، الشَّهيد يوسف نصري نصر، وذلك في الخامس من شهر شباط من العام الف وتسعمائة واربعة وسبعين، على أيدي ياسر الكركي، فتُّوح الجعبري، سمُّور الجعبري، وشحدة الجعبري، بعد أن حصلوا على مفاتيح الدَّار من جميل حمد، الذي كان يعمل بداية في صحيفة الفجر، لأنَّهم يريدونها أن تكون محكمة جنائيَّة عاديَّة “كان واضحًا أنَّ الشُّرطة الاسرائيليَّة تعاملت مع اختطاف يوسف نصر على أنَّه جريمة عاديَّةً، رغم الأبعاد السياسيَّة الواضحة للقضيَّة..لم يتم توقيف أيٍّ منهم ولم تُقدَّم ضدَّهم لوائح اتِّهام، رغم استدعاء المدَّعي العام لهم شهود اثبات ضد ياسر الكركي. كانت تصفية يوسف نصري نصر تصب في مصلحة اسرائيل، التي مثلها مثل الحكومة الأردنيَّة عملت كلَّ ما بوسعها لإبعاد منظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّة عن الأراضي الفلسطينيَّة المحتلَّة وإضعاف نفوذها وإسكات الأصوات المؤيِّدة لها”..(شهادات على القرن الفلسطينيِّ الأوَّل، الياس نصر الله، ص 333).
(3) “..أُقِرُّ واعترفُ الفَ مرَّة لسير برسي كوكس، مندوب بريطانيا العُظمى، لا مانع عندي من اعطاء فلسطين للمساكين اليهود او لغيرهم كما تراه بريطانيا التي لا أخرج عن رأيها حتَّى تصيح السَّاعة” (أي حتَّى قيام السَّاعة)! حينها اعلن وايزمن انَّ انشاء الكيان السَّعوديَّ هو هدف بريطانيا الأوَّل حيث سيُبنى الوطن لليهود بواسطته..
(4) نجيب اسبيريدون، من مواليد حيفا، حيث كان يسكن في حيِّ وادي النِّسناس، شارع مار يوحنَّا المعمدان رقم واحد وعشرين، انضمَّ الى الحزب الشُّيوعي في العام الف وتسعمائة وخمسة وثلاثين، أرسله الحزب إلى المدرسة الحزبيَّة في موسكو للدِّراسة لمدَّة عامين، “لقد تمَّ ترتيب الرِّحلة والتَّغطية على هدف الرِّحلة من قبل الشُّيوعيِّين الاتراك، حيث قاموا بتزوير اوراق الهويَّة ومكان العمل في تركيَّا” درس هناك اللغة الرُّوسيَّة والماركسيَّة والسِّياسة الرُّوسيَّة والعلاقات الدُّوليَّة، وحين عاد الى الوطن اعتقلته السُّلطات البريطانيَّة، لكنَّ الأوراق الثُّبوتيَّة المزوَّرة ساعدته في اطلاق سراحه بعد حين (شيوعيُّون في فلسطين، شظايا تاريخ منسي، موسى البديري ص 168، مواطن، المؤسَّسة الفلسطينيَّة لدراسة الدِّيموقراطيَّة، رام الله – فلسطين 2013).
(5) اودي اديب: وُلِد في كيبوتس جان شموئيل عام الف وتسعمائة وستَّة واربعين، قضاء حيفا، غرب الخضيرة، منذ صِغره تضامن مع الطَّبقات والشُّعوب المضطَّهدة، تعرَّف على الشَّعب الفلسطينيِّ، في حرب حزيران عام النَّكسة، حيث كان جديًّا في جيش الاحتلال، المظلِّيِّين، يقول: “عندما رأيتُ المواطنين الفلسطينيِّين، على أطراف الشوارع بين أريحا والقدس وهم يحملون اغراضهم وحاجاتهم، عرفتُ أن هذه الحرب هي تتمَّة وتكملة السِّياسة الصَّهيونيَّة، منذ النَّكبة. بعدها تركتُ الكيبوتس.. واعتنقتُ خطًّا سياسيًّا يُطالب بالثَّورة الاشتراكيَّة الاسرائيليَّة كجزء من الثَّورة الاشتراكيَّة في الشَّرق العربيِّ. لاحظتُ أنَّ وعي الطَّبقة العاملة الاسرائيليَّة لم تسمو إلى مستوى المهام الثَّوريَّة الملقاة على عاتقها، الامر الذي يحول دون قيام ثورة عمَّاليَّة اسرائيليَّة، ادركتُ حينها، أنَّه عليَّ التَّوجُّه الى الفلسطينيِّين..في اطار حركتهم الوطنيَّة والتَّحرُّريَّة. بهذه الرُّوح الثَّوريَّة الجديدة تركتُ سلاح النَّقد واتَّجهتُ إلى انتقاد السِّلاح. وعندها التقيتُ داود تركي، ومع مجموعة صغيرة من فلسطينيِّين واسرائيليِّين، وبدأنا نعمل..
كان بامكانه، في الأسر، أن يحصل على عفوٍ او تخفيض مدَّة الحبس، لو ساوم! لكنَّه رفض كلَّ إغراءاتهم، ضاربًا في عرض الحائط، رافضًا طلب هيئة إدارة السُّجون نقله الى القسم الجنائيِّ، حتَّ لا يبقى مع الأسرى السِّياسيِّين، او كما يحلو للمحتلِّ نعتهم بالأسرى “الأمنيِّين”، قرَّر وأصرَّ أن يُلازم رفاقه السِّياسيِّين وان يعيش معهم، مهما صار! وتحرَّر من السِّجن يقرأ ويكتب ويتكلَّم العربيَّة، ودون أن يتراجع عن فكره قيد أنملة، لا بل طوَّره، حيث كُتبَ في صحيفة “هآرتس” (يتسحاق ليئور، 21.07.2017 ثقافة وآداب ص 2): أودي اديب، الإنسان الذي لم يتنازل..
“خلال فترة السِّجن سكنتُ مع داود في غرفة رقم ستَّة عشر، سجن الرَّملة، واستمرَّت الصَّداقة إلى أن وافته المنيَّة”..


كلمات دليلية
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جولان تايمز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.