“فَتَّحَ الوَرْدُ” د خالد تركي

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 19 يوليو 2016 - 11:37 مساءً
“فَتَّحَ الوَرْدُ” د خالد تركي


“فَتَّحَ الوَرْدُ”

 

د. خالد تركي حيفا

 

*هذه هي أمل شادية الألحان والتَّرانيم.. أبدعَت بصوتها الرَّخيم العذب المعطَّر برائحة ماء الورد الفوَّاحة من “كأس مرصَّع باللازورد” الممتلئ بمحبة الوطن، الأرض والانسان، والتَّوق والشَّوق إلى الحياة الحرَّة العزيزة الكريمة، الجديرة بكلِّ انسان أن يحياها فوق ترابه الغالي..*

لم أقرأ أجمل من هذا العنوان الذي اختارته أمل مرقس لألبومها الجديد “فَتَّحَ الوَرْدُ”،
بعد “أمل” و”شوق” و”نعنع يا نعنع” و”بغنِّي”.
انتاج يحمل عنوانًا يُرجَى فيه التَّمنِّي والرَّغبةَ لوضع أفضل “قبل أن جاؤوا” وكم من الغزاة جاؤوا ورحلوا وكم من المؤامرات حيكت لوطننا وفشِلت وانتصر شعبنا..
لقد جاء الوليد بالتَّزامن مع “الرَّبيع العربيِّ” ومع اللعنة التي حلَّت بوطننا العربيِّ من تقسيم وتكسير وتشرذم وتفتيت وقتل وذبح وتكفير وتآمر والبيعة للأجنبي، حيث جمعت أمل برسالتها الواضحة ذات المرجعيَّة الفكريَّة الثَّوريَّة الثَّابتة، بصوتها “صوتها وردة حمرة”، بمهنيَّة والتزام ومبدئيَّة لا يعرفُ غيرُها إتقانَها، ما بين شعرائنا سميح القاسم وتوفيق زيَّاد وناظم حكمت وصلاح جاهين ومحمود درويش، زد على ذلك كلمات شعرٍ لشعراء من بلدي، على أمل أن يكونوا عُظماء، كما أتمنَّى لهم ذلك، كالسَّالف ذكرهم، وهم نداء ابو عقل منصور، فراس زريق وفراس روبي الذين آمل لهم أن يصلوا في طريقهم الأدبيَّة الى أبعد ما وصله شعراؤنا الآنف ذكرهم، حيث تجمعهم في عشر أغانٍ، ما بين الحبِّ والأملِ والبيتِ والوطن والصُّمود والحنين والشَّهامة والكرامة والثَّورة، الممَثَّلة بـ”صوت المرأة” من كلماتها، وبتشي جيفارا، من كلمات فراس زريق، والبحث عن الدِّفء والأمان، والحرِّيَّة والجدوى من الانتظار والابتكار والإخلاص للانتماء والالتزام، حيث غنَّت للكادحين والمظلومين والمضطهَدين والنَّازحين ولأطفال الحجارة والضُّعفاء والبؤساء والفقراء وغنَّت أيضًا للثَّائرين بكلمات الثَّائرين، المقاوِمين، وتجمع أيضًا، في ألبومها، موفَّقةً بين اللغة العربيَّة الفُصحى والعامِّيَّة المحكيَّة حيث تحكي لنا بلغة أهل بيتها عن الشَّوق ولوعة الفراق لوالدها، لأنَّها لا تستطيع أن تعبِّر، عن نفسها وعن شعورها تجاه والدها الرَّفيق النَّمر، أبي نرجس، أفضل من عامِّيَتها التي كانت تحكيها معه بطبيعة الحال، اللهجة الفلسطينيَّة الجليليَّة، على “يا مقعد الأبيض” من كلمات نداء ابو عقل منصور وتلحين لؤي خليف، لتكون الأغنية الثَّانية لوالدها بعد رحيله، أي بعد “أبَّاي” من كلمات الشَّاعر مروان مخُّول، حيث تسأل والدَها “تخمين هالعصفور والعنب والتِّين والزَّيتون في كرمتو العالي مشتاق للنَّاطور؟” إنَّه سؤال لا يحتاج لجواب، لأنَّه مؤكَّدٌ، لأنَّ البديهة تقول إنَّ الكَرْمَ يشتاق دومًا لناطوره، لحارسه الذي يحميه من “عثرات الزَّمان وغدرات أولاد الحرام” ويُحضِر للكرمِ الماءَ والغذاءَ والدَّواءَ والأشياءَ، لقد كان صاحب المقعد الأبيض “أبَّاي” النَّاطور على الكرم والعين السَّاهرة على الوطن وصاحب النَّار الثاقبة الصَّائبة، نمر مرقس..
إنَّ كلمات الأمل تأتي دومًا من صوت المرأة، التي هي عماد المجتمع وعمود خيمته وياطر سفينته ومرساة فُلكه وهي مدرسة جامعة، وليس صدفة أن تختار أمل تلك  الكلمات “صوت المرأة” لتُعبِّر فيها عن أهميَّة المرأة فتقول على أنغام الملحِّن نسيم دكور: صوت المرأة جمرة، صوت المرأة ثورة، يمحي طعم الحسرة، تهليلة حبٍّ وأمان، اغاني وحكايا زمان، صوتها دفا وحنان، صلاة شوق وتحدِّي، وحدة حال تقوِّي صوتها ثورة..
المرأة هي الصَّوت الذي لا يُمكن اسكاته، وويلٌ للذي يجهلُ كرامة المرأة، لأن صوتها ثورة وهي الأنثى ندُّ الذَّكَر وحقُّها كحقِّه، وإن كانت من ضِلعه، وهما كذلك سيَّان ﴿..الذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة﴾ فالمرأة هي أمُّ الدُّنيا وهي ستُّ الكُلِّ..
لقد اختارت أمل أن يكون عنوان وليدها الخامس “فتَّحَ الوَرْدُ”، وهو من كلمات الشَّاعر توفيق زيَّاد من قصيدته “قبل أن جاؤوا” الذي كان يحلمُ “بالخبز لكلِّ النَّاس” قبل أن يأتي المحتلُّ الغاصب على دبَّابة لطَّخها الدَّم، ويقضي على حُلمِهِ! وهي من تلحين الفنَّان مهران مرعب..
وما أجمل أن تتفتَّح الورود حين نرى طيف ألوانها وانواعها واوراقها وشكلها وارتفاعها المتناسق والمتناغم والمتجانس، ونشمُّ عطرها مع كلِّ نسيم والأجمل هو أن ترى كلَّ هذا حين يكون من نتاج راحتيك، بعد أن منحتها من راحتِك ما شِئتَ حين تُطعمها من كدِّكَ وتُسقيها من عرقِكَ وتَرويها من دمكَ ومن دمعك تُعطِّرها وتكون الورود قد أخذَتْ من راحتِكَ ما شاءت من حاجة، فتكون شاهدةً على ضِنْكِ عملكَ، فتُعطيك شهادة تقدير لعملك حين تورِّد الورود..
وتتميَّز أمل مشرِقةً ومُبهِجةً ومبدعةً، بقصيدة الشَّاعر سميح القاسم “أُعْلِنُها” وهي من تلحين الفنَّان الشُّيوعيِّ العراقيِّ جعفر حسن، كنَّا قد انشدناها وحفظناها عن ظهر قلب، غيبًا، في شبيبتنا الشُّيوعيَّة في حيفا، “ما دامت لي من أرضي أشبار، ما دامت لي زيتونة ليمونة بئر وشجيرة صبَّار، ما دامت لي ذكرى، مكتبة صُغرى، ما دامت في بلدي كلمات عربيَّة، وأغانٍ شعبيَّة، ما دامت لي عيناي، ما دامت لي شفتاي  ويداي، أُعلنها بوجه الأعداء أُعلنها حربًا شعواء باسم الأحرار الشُّرفاء”، حيث تنطلق لوحدها، بمفردها، ومنفردة بصوت نديٍّ وعذبٍ، جميلٍ ورخيمٍ، شجيٍّ دون أيِّ مرافقة موسيقيَّة أو رتوش لصوتها أو تجميل مصطنعٍ ليتألَّق صوتها فوق الشُّهب، لتقول لنا إنَّ هذه الأغنية هي لها، لأمل الأمل، وصوتها هو آلتها الموسيقيَّة وجوقتها  فتُغنِّي كلماتٍ تفهمها ومقتنعة بها وتناضل من أجلها، وهي التي ترعرت في دفء هذه الكلمات، حيث أجد نفسي متماثلاً، متضامنًا معها وفاهمًا أحاسيسها وأنطلق مُنشدًا معها بأعلى ما أعطاني العاطي من درجات صوت، باسم الأحرار الشُّرفاء، لأنَّ صوتها هو صوتهم..
وحين كتب ناظم حكمت، الشَّاعر التُّركيُّ، الشُّيوعيُّ، في نهاية الحرب العالميَّة الثَّانية، من وراء قضبان أتاتورك “أجمل البحار” ليقول زارعًا أملَه فينا، إنَّ “أجمل البحار هو البحر الذي لم نذهب إليه بعد، وأجمل الأيَّام هي التي في انتظارِنا، وأجمل القصائد هي التي لم اكتبها بعد”، اسمعها تُغنِّي وأراها أمامي تسير على سور عكَّا، التي لا تخاف من هدير البحر، وتمرُّ بين أعمدتها الضَّخمة وأراها تمشي على وجه البحر أمام الفنار أو تقفز إلى البحر من على سور المدينة في الميناء سابرةً عمقه سابحةً بين صخوره!
غلافٌ قشيبٌ جذَّابٌ وبهيٌّ وجميلٌ، متقنٌ بعناية خاصَّة وفائقة، يُعطي للبحر حقَّه وللسُّور رونقه ولمحتوى الألبوم معنى كما ارادت له أمل أن يكون، لأنَّه أيضًا قراءة أخرى لمحتوى الكلمات وترجمتها بإنتاج يليق بالكلمة، ولأمل فيه طلَّتها البهيَّة، فاتحةً يديها نحو صفاء السَّماء الزَّرقاء واقفةً بين حجارة السور الصَّامدة أمام عاتيات البحر الهدَّار لتقول له “هدِّي يا بحر هدِّي”..
وتنشد قصيدة “أجمل البحار” بروعة لحن ابنها فراس زريق، ليمرَّ في مخيَّلتي زياد الرَّحباني وفيروز وهي تتقن الأداء والتَّقديم لأسباب، أهمُّها أن تُهدي الجمهور كلمات الثَّائر ناظم حكمت، وأن تقدِّم لحن ابنها فراس بفخر واعتزاز وكأنِّي بها تقول “هذا هو ابني الحبيبُ الذي بهِ سُرِرْتُ”..
وتُغنِّي أغانٍ من كلمات فراس وأخرى من ألحانه..
بالتَّأكيد قدَّمت لنا أمل مرقس الشَّاعر محمود درويش “انتظرها” من ألحان الفنَّان مهران مرعب، بحبٍّ وحنان ويقين عن الشَّوق والانتظار وجمالهما والهدوء والتَّروِّي، “لأنَّه لم يبقَ غيركما في الوجود، فخُذها برفقٍ إلى موتك المُشتهى وانتظرها”!
وينفرد الفنَّان والشَّاعر فراس روبي في قصيدته “كِبْر القلب وفتح بوابه وصارت كلُّ القلوب صحابه وبطَّل يسأل عن تفسير مبارح بالليل حلمت إني عم بطير” لتنقل لنا أمل بصوتها الرَّقيق الحلمَ الذي يحقُّ لنا أن نحلمه ويحقُّ لنا أن نحقِّقه ونريد له أن يتحقَّق..
هذه هي أمل شادية الألحان والتَّرانيم..
أبدعَت بصوتها الرَّخيم العذب المعطَّر برائحة ماء الورد الفوَّاحة من “كأس مرصَّع باللازورد” الممتلئ بمحبة الوطن، الأرض والانسان، والتَّوق والشَّوق إلى الحياة الحرَّة العزيزة الكريمة، الجديرة بكلِّ انسان أن يحياها فوق ترابه الغالي..
هذا هو الأمل في بيتنا وأهله “أنا بيت حبيبتي وهي بيتي أنا”، “لكن يا ريت يبقى لنا بيت”..
فكُلُّنا أملٌ بأملٍ، أن يُفتِّحَ الوَرْدُ في الرَّبيع الذي نتمنَّاه وينتَصرَ الوَرْدُ الذي نحبُّه ونريدُ له ان ينتصرَ..
فمباركة ثمرتك “فَتَّحَ الوَرْدُ”..

 

كلمات دليلية
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جولان تايمز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.