أخبار مهمةمنوعات

حكمةٌ قالها الحلّاج عندما صُلِب: ” إلهي تتودّدُ لمن يؤذيك ولم تتودد لمن يُؤذى فيك”


بسم الله الرحمن الرحيم
سبحانك اللهم باللّفظ واللّحظ واللّحظات، وفي القلب وجميع الجوارح، اللهم اجعلنا من المُجتهدين على درس المعلوم والعلوم والقيام بالفرائض والمفترضات والمواجب الدينيّة وترك جميع الموبقات؛
اللهم انّي أستخيرُك بعلمكَ
وأستقدرُك بقدرتكَ
وأسألُكَ من فضلكَ العظيم.
قال أفلاطون الحكيم: “النفسُ جوهرٌ أزليّ، والمعرفةُ المثاليّةُ مُستحيلةٌ ما دام الانسانُ مُقيّدًا بخليطٍ مُشوّشٍ، والمعرفةُ النظريّةُ هي الفكرُ، وهي أسمى غاية يُنشدها العقلُ الإنساني، وبها تتحقّقُ أعظم سعادة مُمكنة، وهذه الخيرُ المُطلق وغايةُ الغايات ومنتهى الرفعة الانسانيّة وجنّةُ الواصلين”.
وقيل: “الاتصالُ بين العارفين لا يكون بتقاربِ الأجسام، ولكن بتقاربِ النفوسِ، والدنيا عندهم ليس لها وزنٌ ولو اجتمعت بأسرها في أيديهم، ولكن بانتمائهم لله تعالى ولأوطانهم حسبهم في ذلك شرفًا وفخرًا.
وقيل أيضًا: “أنّ أنفُسَ أولياءِ الله أقوى ما تكون إذا ضَعُفَت أبدانُهم وفَترَت وكلَّت قواهُم، عندها يقوموا بتأليف كتابٍ أو تعقّبه أو النّظر في أمر الله وأمر وليّه. وأهل الدنيا خلاف ذلك؛ إنّ نفوسهم أقوى ما تكون إذا صحّت أبدانُهم ووثقوا بالمقام في الدنيا، ومتى ضَعُفَت أبدانُهم ضَعُفَت نفوسهم، لأنّ أنفسهم خدمةٌ لأبدانِهم وهي مُتعلّقةٌ بدنياهم”. فأهلُ الدنيا وأصحابُ الغيّ فيها آثروا حُبّ الرئاسة وآنفوا عن الرجوع إلى الباطل لئلّا تنقص رئاستهم. وقيل عنهم “صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ” (171\سورة البقرة). ألسنتُهم الحداد، متاجرُ الفساد، والسفّلُ الأوغاد، والذي يُرضي الأعداء ويُغبطهم ويُحييك إليهم ويُقرّبك منهم أن تتولّاهم وتقولَ بقولهم وتُعادي الأخيار وتتبرّأ منهم ومن سواهم “فالصادقُ لو قرّضوه بالمقارض ورموه بالنار، ما فعل ذلك وصبر على مفعولهم”.
أيّها القارئ الفاضل بالفضيلة، إنّ غيابَ ثقافةُ الحوار وكيلُ التهم دون البحث عن الحقيقة، والبحثُ الجدّي دون الاجتهاد للتوصّل للمعرفة الأكيدة، يلد كارثةً مُزمنةً في أمّةٍ وشعبٍ وعائلةٍ وفرد، فيهدُمُ عروشًا وترفعُ عروشًا وتهدمُ بيوتًا وترفعُ بيوتًا، وهكذا يكون ويصبح على مستوى عالٍ من الظلم.
وقد ابتلانا الله سبحانهُ وتعالى أخي في الإنسانيّة كما ابتلى آخرين في عصر من الأعصار، وفي زمنٍ قلّ فيه العلم وكثُر فيه الجهل والفقر وغابت عنه الثقافة وكثرت العصبية والعائليّة والطائفيّة وحُبّ الجاه والمال والسلطة والأنا وكثرةُ الحسد والضغائن فظهرَ لنا المكروهُ ولا زال منذ عقودٍ أسرع علينا من الماءِ إلى مقرّهِ ومنَ الطيرِ إلى وكرِهِ فكان علينا أن نستعدَّ لحملهِ، فحملناهُ على ظهورِنا وقوينا على النهوضِ بأثقالِه وكان مصدرهُ الوشاية من أصحاب ألسنةِ السود والأقلامِ السوداء من شيعتنا وأبناء جلدتنا ومن قومنا، فأخذنا الصبرَ جلبابًا لنا والكل يعلم ما وقع علينا من أذى فردّينا الأمر إلى الله تعالى بالرضى والتسليم. كما قيل: “اللهم اجعلني محسودًا ولا تجعلني مرحومًا إلّا برحمتكَ يا أرحم الراحمين”.
الثقةُ باللهِ ورسولِه هي نبراسُ وجودِنا وبقائِنا والأعمالُ لا تُقبَلُ إلّا بالنيّاتِ، فإنّ الدنيا عندَ الأولياءِ والأصفياءِ الأتقياءِ الأنقياء – نسأله تعالى أن يجعلنا من تُبّاعهم آمين- ليس لها وزنٌ إلّا أن يكونوا مستورين بإخلاصِهم، لم يتزيّنوا بالباطل، فكانوا زينةَ المجتمعِ وجمالِهِ ورعًا وعلمًا وزهدًا وحلمًا ونزاهةً وشجاعةً وإقدامًا، فمن اتّبع أولياءَ الله وأطاعَهُم وسلّمَ إليهم وعرف حقّهم وفضلهم، نجا من نجا من ذرّيته، فأهلُ طاعته أطاعوا بالسرِّ والجهرِ فأُنزلت رحمته عليهم بصبرهم، هاربين من الخلق إلى الخالق، فالغنى الروحي هو الباقي ممثلًا بالعفّة.
ذو النون رضي الله عنه، قال:
ساروا على حُبّ الرشادِ إلى العلا قومٌ بهم تقواه وهو دليلها
حطّوا في دار القدس في خير منزلٍ وفازوا بزلفى ذي الجلال حلولها
(اللسانُ رمزٌ صوفيٌّ معناه البيان على علم الحقائق، يحنّون إلى حبيبهم حزنًا على فراقهم إيّاه، يصعدون نحو العلا بالمحبّة والتقوى حتى ينزلوا بخير منزل في دار القدس حيث الجمال والفوز والنعيم في حضرة الجلال).
قال الإمام المنصور عليه السلام: “إنّما يَستحبُّ الفاضلُ البقاءَ في الدنيا ليُظهرَ الله عزّ وجلّ منه ما هو كائن من الخير والفضل فيعظم ثوابه، ويُجلّ في دار الآخرة قدره، فالذي عندَ الله في دار الآخرة أفضل مما له في دار الدنيا”.
أخي الفاضل المُحب؛ المبادئ لا تتجزّأُ ولا تُباعُ ولا تتغيّرُ ولا تتحوّلُ. منذ نعومة أظافرنا ونحن على هذا النهج، فلا ننظر إلى صغائر الأمور احتسابًا لوجه الله تعالى. مبادئنا أُخذَت على المبدأ الفضائل والكرامات والسراط المستقيم، وأصحاب المبادئ أينما وجدوا في كلّ بقاع الأرض، هم نسور رُبى، وسباع وغى، ونفوسهم على مذابح الحريّة رخيصة. في موالاتنا لله سبحانه ولتلك المبادئ ولأوطاننا وثقافاتنا وشعوبنا، سعينا لأنفسنا ورضى ربّنا بذلك أردنا، والحفاظ على الذات وحب الأحرار والأشراف غايتنا، فكنّا لا نرى عليه مشقّة ولا كلفة فيه، ولو صادفنا بعض الأزمات تقبّلناها بالرضى والتسليم ونحن بهذا لا نمنّ على أحد ولا نريد من أحد إلّا إمدادنا بالدعاء بحسن الخاتمة، فقد يعلم الطبيب بحال العليل ما لم يعلمه العليل من نفسه، والله أعلم بدائنا ودوائنا. فالعليلُ إذا عمل بما طَلَبَ الطبيبُ يشفى بإذن الله، وإذا قبل العبدُ أوامرَ الله يُصبح سعيدًا وسار إلى الراحة الطويلة والبقاء الدائم، وإذا خالفنا هلكنا بخلافنا.
قارئي الكريم؛ – إن همّك ما كتبت وإن لم يهمّك- الناس كلّهم يدّعونَ العقل، يختلفون بالمذاهب، أمّا من لم يعلم بما شرّعه الله ورسوله يكن جاهلًا، ومن عَلِمَ يكن عاقًلا. قيل عن لسان الإمام المُعز عليه السلام: “إنّ أصحابَ الفضائلِ المُتّحدون مع الله والإمام هم مَعدنُ البركة، وعنصر الخير، فالله يرفع درجاتهم، ويُعلّي ذكرهم، فهم البنون والأخوة الروحيّة الحقيقيّة لنا، فليس في كلّ موقف يُثبت النَجد ولا في كلّ حين يقفُ الشجاع، فمن نابَ إلى الله تعالى قَبِلَهُ، وَمَن استرحَمَ رَحِمَهُ، ومن استقالَ عَن أمورِ الدنيا أقالَهُ الله، ولا يُوفّق لذلك إلّا السعيد من عبادِهِ، ويرفعهم الله سبحانه بنيّاتهم وأعمالهم، فيكون العبد عفيفًا صالحًا برًّا تقيًّا ورعًا عاملًا وأميرًا مُطيعًا مُجتهدًا، هذا مراد الله بالعبد، وهذا جامعًا لوجوه الخير، وقليل من يقوم به.
في تاسوعات أفلوطين المُترجمة إلى العربيّة قال: “إنّ الأشرارَ هم أصحابُ الأمرِ في الدنيا، والأخيارَ عبيدٌ لهم” مُستغربًا الظلم عند الآدميين لأنّ الآدميين أشرفُ العالم الكلّي، ليس شيءٌ يفوقهم عقلًا وحكمةً. لكن في الحقيقةِ الآدميَّ قائمٌ بين عالم الأرباب وعالم الحيوان، فمنهم من يشتبهون بالاثنين وهم الأكثريّة وهم الوسط، لأنّهم أدنياء ليسوا صالحين، فالظلمة يستعملون الوسط مُستغلّين جهلهم، هكذا برزت سيطرة أهل الشرّ على الأرض. الله لا يُقاتل عن الأعزل، والنجاة لذوي الشجاعة ولذوي العبادة، ولا يجني ثمارَ الأرض من كان مُنصرفًا للعبادة فقط، ولا يكون صحيحَ البدن من لم يهتمّ بصحّته.
في سِفر الحكمة الفصل 12 من أمثال سليمان ابن داود عليه السلام: “فآثرت الظلمة أن تُهلَكَ بأيدي آبائنا، قتلت النفوس التي لا نُصرة لها، لتكرّم الأرض التي أكرمها كما يليق بها، على أنّك كما أشفقت على أولئك لأنّهم بشر، فبعثت الزنابير تتقدّم عسكرك كما أرسلت تُبيدهم شيئًا بعد شي، لا لأنّك عاجزٌ عن إخضاع المنافسين للصدّيقين بالقتال والتدمير وبالوحوش الضارية، لكن شيئًا فشيئًا، ومنحتهم مهنة التوبة نحف عليكَ أنّك تعلم أنّ جيلهم شرّير، وخبثهم غريزي، وأفكارهم لا تتغيّر إلى الأبد، لأنّهم كانوا ذريّة ملعونة إلى الآن، لكنّك أيّها السلطان القدير تحكم بالرفق، وتدبّرنا بإشفاق كثير، وبيدك أن تفعل بقدرة متى شئت”. واليوم ترسل الفيروسات التي أحلكت أفكارهم، وكمّمت أفواههم، وحاصرتهم في بيوتهم قبل ظهور جندك وإطلاق سيف الحق في عمق الباطل.
وأخيرًا إنّ الأعمالَ لا تُقبلُ إلّا بالنيّةِ والاعتقاد وإن أخلَصت من نفسكَ بالميلِ إلى الله دع التزيّن بالباطلِ وكفّ عن ضررِ الناس.
اللهم أحينا على زاوية قائمة وأمتنا على خطّ مُستقيم وها أنا حَبستُ ذاتي بذاتي لذاتي والله من وراء القصد.
أيلول. 2020
الفقير لله عاطف شعلان

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق