أخبار مهمةسورية

لغز «الديبلوماسية السورية»


الكاتب؛ نبيه البرجي

بما يشبه الصدمة، قال روبرت فورد، آخر سفير أميركي في دمشق، «لو كنت في بلد آخر لربما كان عليّ أن اشنق نفسي بسبب قراءتي الضبابية، والمرتجلة، للاحتمالات السورية».

اعترف، في احاديث متفرقة لمواقع أميركية، بأن تقاريره الى واشنطن، وكانت تتطابق مع تقارير وكالة الاستخبارات المركزبة، كانت تحفل بالتوقعات حول انشقاقات دراماتيكية في المؤسسة العسكرية، كما في السلك الديبلوماسي. لم يحدث شيء من هذا. كانت الانشقاقات واهية، ومريبة.

قال «لقد بقي ذلك لغزاً بالنسبة الي، اذ ماذا كان يغري السفراء بوجه خاص في البقاء على ولائهم لنظام كان العالم كله، ربما، يتوقع أن يؤول الى ما آل اليه النظام في تونس ومصر وليبيا».

في رأيه أن هؤلاء كانوا مقتنعين بأن الرئيس حافظ الأسد، في دوره الجيوسياسي على امتداد الشرق الأوسط، كان صاحب قضية كبرى، هي قضية سوريا، وقد تكون مفاوضاته الدقيقة، والشاقة، مع اسحق رابين حول شواطئ طبريا، عززت بقوة ذلك الاعتقاد.

جيمس بيكر الذي التقاه مرات عدة لاحظ أن الرئيس الراحل أرسى قواعد ديبلوماسية، تنطلق من جدلية التاريخ وجدلية الجغرافيا، في منطقة هي في غاية الالتباس.

قطعاً، لم يكن عبدالحليم خدام من هذه المدرسة. الأيام أظهرت مدى شبقه الى البذخ، والى انفصاله الكلي، عن القضية السورية. غاص في المستنقع اللبناني حتى أذنيه. هنا منجم الذهب الذي لا ينضب. ليس الله وحده يعلم من أين، وكيف، كدس مئات الملايين التي جعلته يعيش في باريس مثلما كان يعيش لويس الرابع عشر.

لعله فكر بشراء قصر فرساي للاقامة فيه بعدما تصور، وهذه حال الكثيرين من المعارضة السورية، أنه بات على قاب قوسين من القصر الجمهوري.

حتى زوجة خدام دخلت في اللعبة اللبنانية. كان الساسة ورجال الأعمال، يفاخرون بأن «أم جمال «، ولطالما حاولت تقليد كليوباترا، أو شجرة الدر، أو الملكة فيكتوريا، ستتناول الغداء الى موائدهم.

الآن فيصل المقداد وزيراً للخارجية. العلاقة كانت أكثر من وثيقة مع وليد المعلم والى درجة التماهي بين الشخصيتين في نظرتهما الى المشهد السياسي والاستراتيجي. المعلم (المعلم وليد المعلم) عرف كيف يتولى ادارة الديبلوماسية السورية في أكثر الظروف هولاً، وبما تعنيه الكلمة.

مثله المقداد، شخصية ممتلئة، دمثة، ومنفتحة. من الواضح أنه يتمتع بكل المؤهلات اللازمة لادارة العمليات الديبلوماسية وسط تلك الأمواج المتلاطمة. انه ابن منطقة حوران، وحيث يتسنى للمثقف أن يشعر بحساسية التقاطعات الجيوسياسية في المحيط.
أحد أصدقائه قال لنا انه يتقن دراسة الملفات الصعبة، وبمنتهى الدقة. اختزل شخصيته هكذا «ديبلوماسي لا يحترف فقط التعامل مع الأفكار، بل انه ينتج الأفكار. ولقد عرف كيف يستفيد من كل لحظة في حياته».

وزيراً للخارجية في حين أن المنطقة تدخل في تحولات أكثر من أن تكون مثيرة، ولا بد أن تنعكس على سائر المعادلات، والعلاقات، الجيوستراتيجية…

حتى اشعار آخر، دونالد ترامب، بكل سياساته البهلوانية، لا يزال في البيت الأبيض. لا مجال لأي ديبلوماسي، حتى ولو كان شارل تاليران أو كليمنت ميترنيخ، أن يتوقع ما يمكن أن يقوم به الرجل.

كبار الباحثين في الولايات المتحدة يعتبرون أن الرئيس الأميركي سيترك وراءه تركة ثقيلة، لا سيما بالنسبة الى مسار الأمور في الشرق الأوسط، وبعدما نجح في تغيير الكثير من الديناميات التاريخية، والسياسية، وحتى الديناميات الفلسفية، للصراعات في المنطقة، ودائماً لمصلحة بنيامين نتياهو.

هل يستطيع جو بايدن أن يحد من تداعيات تلك التركة على سياساته الخارجية؟

هذا السؤال قد يكون فيصل المقداد قد طرحه على نفسه. سوريا قضيته. من هنا تبدأ المهمة الكبرى…
الديار

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق