أخبار مهمةسورية

90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر… والحكومة تختبئ خلف قانون قيصر


الكاتب: طارق علي

طغى السواد الاقتصادي على المشهد العام في سوريا. الحرب هي السبب الأول للانهيار المتسارع في قيمة الليرة السورية في مقابل الدولار الأميركي، وتحديداً انهيارها بمعدل وصل إلى 60 ضعفاً عما كان عليه قبل عشرة أعوام، عشية اندلاع الحرب السورية.

لم تستطع الحكومة السورية بأي شكل تدارك الانهيار الحاصل والمتسارع، فمع بداية أزمة كورونا في سوريا، في الربع الثاني من العام المنصرم، وبدء تطبيق قانون قيصر الأميركي في الربع الثالث من 2020، انهارت العملة في ظرف ثلاثة أشهر، 50 ضعفاً، حتى بات الدولار الأميركي الواحد يعادل نحو ثلاثة آلاف ليرة سورية، مع الأخذ في الاعتبار أنه كان يعادل 47 ليرة سورية في عام 2011.

إذاً، لم تستطع الحكومة فعل شيء يذكر، سوى أنها عملت على رفع بسيط للرواتب أكثر من مرة، ليبلغ اليوم في أفضل صوره ما يعادل متوسطه للموظف السوري نحو 25 دولاراً أميركياً في الشهر، وهو الرقم الذي لا يكفي أكثر من أسبوع واحد للأسرة في أفضل الأحوال، حتى أن استطلاعات للرأي كشفت أنّ هذا الرقم لا يغطي حاجات أسرة مكونةٍ من خمسة أفراد لثلاثة أيام، على اعتبار أن كل شيء ارتفع سعره مع صعود الدولار، بدءاً من الخضار، وحتى السيارة، مروراً بالعقارات، فكل شيء قابل للشراء بالمال مهما كان، تضاعفت أسعاره، وينطبق ذلك بصورة موسعة على كل تفاصيل المعيشة والحاجات الأساسية وغير الأساسية، وضمناً المتطلبات الرئيسية والبديهية من غاز ومازوت وبنزين ومحروقات وخبز، والتي شهدت أسعارها كلها ارتفاعاً مضاعفاً، ليصار إلى اعتبار كل ما يفوق سعره حجم الدخل على بساطته، رفاهية، حتى الخبز بدأ يصير رفاهية، وهذا ما تسمعه في الشارع.

هوةُ كبيرة بين الراتب والحاجات

صحيفة “قاسيون” السورية، الناطقة باسم الحزب “الشيوعي”، وهي صحيفة تصدر عن اللجنة المنطقية للحزب، نشرت دراسةً اعدتها وبنت فيها إحصاءاتها انطلاقاً من مكونات الاستهلاك الأساسية الثمانية المقررة في المكتب المركزي الرسمي للإحصاء السوري، التابع لرئاسة مجلس الوزراء، استناداً إلى الحد الأدنى من الأسعار في العاصمة السورية دمشق، وخلصت الدراسة إلى أن تكاليف المعيشة الأساسية ارتفعت بما يعادل على الأقل نسبة 85 في المئة عن عام 2019، أما قياساً مع بداية الحرب فالمجمل يقاس بـ24 ضعفاً للمعيشة، و29 ضعفاً لتكاليف الغذاء.

وبحسب الدراسة، فإن أسرة مكونة من 5 أفراد تحتاج مبلغاً يساوي 252 دولاراً أميركياً شهرياً نصفها ثمن مواد غذائية فقط، أي 126 دولاراً، أما الباقي، فيوزع على السكن والنقل والملابس والصحة. وأكدت الدراسة أن الراتب السوري الحالي لا يكفي غذاءً لمواطن واحد حتى الشبع، لتشير الصحيفة إلى أن سيارةً بيعت في مزاد علني مع نهايات 2020، ثمنها يكفي لإطعام 220 عائلة لعام كامل، ما يدلل مجدداً على التفاوت الطبقي الهائل بين مكونات المجتمع السوري.

الفقر والاقتصاد وفق الأمم المتحدة

قبل البدء بفرض عقوبات قانون قيصر في شهر حزيران (يونيو) من العام 2020، حذرت وكالة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة من أن سوريا تواجه أزمة معيشية كبرى وغير مسبوقة تتمثل بحاجة أكثر من 9.3 ملايين سوري للغذاء الكافي خصوصاً مع تفشي فيروس كورونا.

وبحسب ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا أكجمال ماجتيموفا أنه وبعد تسع سنوات من بداية الحرب، يعيش أكثر من 90 في المئة من الناس تحت خط الفقر المدقع والذي يقدر أممياً بنحو دولارين يومياً للفرد (قرابة 6 آلاف ليرة سورية)، وأشارت إلى أن الواقع الصحي المتردي جاء بسبب هجرة نصف العاملين في المجال الطبي، أما من تبقى منهم، فيواجه تهديدات بالقتل والخطف، وكل ذلك في ظل أرقام تتحدث عن أنّ أقل من نصف مستشفيات سوريا ما زالت تعمل.

أما المتحدثة باسم وكالة الغوث اليزابيث بايرز، فقالت في تصريح لها إن أسعار السلع الغذائية ارتفعت أكثر من 200 في المئة خلال أقل من عام، معتبرة أن جزءاً كبيراً من المشكلة يعود إلى الانهيار الاقتصادي في لبنان، فضلاً عن قيود الحظر والحجر الصحي التي فُرضت من الحكومة السورية على مواطني الجمهورية لاحتواء الوباء في وقت سابق من العام المنصرم.

على الطرقات

“لا يتجاوز راتبي أنا وزوجي مئة ألف ليرة سورية”، تقول هيفاء، الموظفة الحكومية في إحدى الوزارات، وتضيف: “منذ سنين لم نعد نشتري إلا الحاجات الأساسية، أقل الحاجات، فقط تلك التي لا تستطيع أي أسرة العيش بدونها، ومن حظنا أنه ليس لدينا أولاد حتى الآن، فلو كان لدينا لكانت صارت المعيشة مستحيلة قطعاً، فللأطفال مصاريف وأشكك في أن آلاف الأسر قادرة على تدبر أمورها”.

حال هيفاء يمكن إسقاطه على آلاف الأسر السورية، نمط الحياة هذا صار قاعدةً واضحةً وبيّنة، فما ينطبق على موظف سينطبق حُكماً على بقية الموظفين، طالما أن متوسط الراتب هو ذاته، من دون ارتفاعات توازي حجم التضخم من جهة، وحجم ارتفاع متطلبات العيش من جهة أخرى. صار السوريون عاجزين عن تأمين حاجاتهم، أقله، السواد الأعظم منه.

ماهر حمو موظف حكومي آخر، يقول أنه يتعامل مع الراتب بمنطق الرياضيات، “أقوم بعمليات حسابية متتالية لأوزع الراتب على ما يلزم فقط، حصراً من الغذاء، السكر، السمن، الزيت، الرز، البرغل، ثم القليل من الخضار، وهكذا يكون راتبي شارف على الانتهاء، واستدين لبقية أيام الشهر”.

حال ماهر هو ذاته تقريباً مع الموظف سالم منصور، فسالم يدخل شهرياً في دوامة يناور فيها قدر المستطاع حتى يحصل على حاجات أسرته الأساسية، “اشتري الأساسيات التي تلزمنا، ثم على الفور أسدد ديوني لأصحاب المحال التجارية، ثم أعود لاستدين لبقية الشهر، وهكذا، أقضي أيامي في مناورة مع الحياة من جهة، والدائن من جهة أخرى، في مشهد شهري متكرر لا يعرف التوقف”.

ويتشارك معظم الموظفين في محاولة تأمين الحاجات الرئيسية إلى جانب الغذاء والمتمثلة في الصحة والتعليم والسكن، ومجموعها مع بعضها يشكل حملاً زائداً يمكن الجزم بأن الأسر السورية تعجز عن معالجته، لا سيما أن الكثير من الأسر نست كيف هو شكل اللحم ومعه كل ما يعتبر غذاءً خارج الأساسيات التي باتت تضيق يوماً بعد يوم لتفرض التقليل منها مع كل شهر جديد.

بين طبقتين

على الرغم من أن معظم السوريين تحت خط الفقر فإن ذلك لا يعني عدم وجود طبقة ميسورة. الوضع خلق تبايناً اجتماعياً على حساب الطبقة الفقيرة لصالح الطبقة الثرية، التي يشكل أمراء الحرب معظمها، وهم الذين ما زالوا ورغم قانون قيصر قادرين على استيراد أحدث الأدوات الإلكترونية والسيارات، قياساً بحكومة تعاني مع شعبها من استيراد كل شيء، حتى بذار الشمندر السكري ما عادت قادرة على استيرادها، وفق وزير الصناعة قبل نحو شهرين، وأرجع ذلك إلى ظروف الحصار الدولي.

يقول ابن خلدون في مقدمته أن “الدول تنهار حين يكثر الانتهازيون، لتظهر على السطح وجوه مريبة، ثم يسود الهرج في الأسواق والمزايدات على الانتماء ومفهوم القومية والوطنية والعقيدة”، وهذا هو الحال اليوم في سوريا، وإن كان المسؤولون يعللون أمر الفقر بفعل الحصار، إلا أنه لا أحد يتكبد عناء شرح مصادر أموال الأمراء. الجميع يخاف الخوض في الأمر، ليضاف إلى الشرخ شرخ ٌ جديد، فالفقير يقف في طابور لا نهاية له لتعبئة سيارته من البنزين، والثري لا يحتاج ليقف أي ثانية في انتظار حصوله على أحدث سيارة “لامبرغيني”، وهي سيارة صارت موجودة فعلاً في الشوارع، يحصل عليها رغم أنف الحصار من دون أن يبرر مسؤول واحد كيف استطاع شخص أو أشخاص تجاوز الحصار، وهو ما قد تملك الحكومة بصورة أو بأخرى تبريراً له، لكنها ما زالت تقطن البرج الذي فرضت فيه سياسات الحكومات المتعاقبة عرفاً يقضي بأن المواطن لا يستحق تبريراً، وإذا ما فكرت بتبرير أمر ما، فإن السوريين يتذكرون ما قاله ممدوح عدوان قبل أربعين عاماً: “أنا أشتغل في إعلام أخجل منه، لأنه يكذب بهذا المقدار، يكذب بدرجات الحرارة، يكذب بالتستر على اللصوص والتجار والمرتشين وشركائهم، ويشكك بي وبكم حين كنتم تقولون إنّ هناك فساداً”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق