أخبار مهمةسورية

كتب نبيل صالح: حول “الإسلام الشامي” وربيع الإخونج


بعد طول الإستخدام البشري لها تحولت الديانات السماوية إلى مذاهب أرضية طوٍّعت لتلبي طموحات البشر أكثر من المشيئة الإلهية، وغدا لكل دين ومذهب أوثانه التي تعادي أوثان القوم الآخرين.. فالكراهية هي سلاح الصراعات الدينية في هذا العالم المترامي النزاعات، وكذا الإسلام سرعان ماحُول من رسالة سماوية إلى دين سياسي غبّ اجتماع الصحابة تحت سقيفة بني ساعدة، حيث اجتهدت كل فرقة سياسية عبر التاريخ في صناعة مركبها الإسلامي الذي يحمل زعاماته نحو الحكم والسلطة، وآخر هذه المراكب هو مركب جماعة الإخوان المسلمين بعلَمه وسيوفه المتقاطعة التي تحض على استخدام القوة وليس التسامح.. فخلال 14 قرنا من الخلافات التي استخدم فيها الفقهاء براعتهم في تغليف مذاهبهم بورق مقدس، تشكلت لدينا الكثير من الطوائف والجماعات الإسلامية المتناحرة، حيث نشهد اليوم كيف غدت ساحة الصراع الإسلامي الممتدة من أفغانستان والهند والباكستان وصولا إلى الصومال..

(2)

أطلقت مصطلح “الإسلام الشامي” أواخر عام 2011 وأوائل 2012 في ثماني حلقات نشرتها على موقعي “الجمل” بعدما تبينا ملامح الربيع السلفي، ذلك أن الإسلام بات إسلامات مؤتلفة مختلفة، وصار لكل بيئة جغرافية إسلام يشبه إرثها ماقبل الإسلامي، حيث يختلف مجتمع بلاد الشام المدني عن مجتمع الجزيرة البدوي في أن الشوام انتقلوا من المسيحية إلى الإسلام بينما عرب الجزيرة انتقلوا من الوثنية إلى الإسلام، وقد تأثر الإسلام الأموي بجغرافية البلاد المعتدلة ولين طباع أهلها بإرثهم الثقافي الذي يرجع إلى حضارات كبرى كالبيزنطية واليونانية والفينيقية، ولولا الفلتر الشامي الذي مرت عبره المسيحية ثم الإسلام لما كانا انتشرا حول العالم، وقد فصلت في ذلك إلى درجة أن الشيخ رمضان البوطي رحمه الله استخدم مصطلح “الإسلام الشامي” بعد بضعة أشهر في محاضراته، وتبعه المفتي أحمد حسون، ثم انتشر المصطلح وكان غريمنا الشيخ الوزير محمد عبد الستار السيد آخر من استخدمه.. وكان القصد وقتها تبيان الإختلاف الحضاري بين أنواع الإسلامات وشرح سبب قيام الجهاديين القادمين من أفريقيا والجزيرة العربية بذبح السوريين على اختلاف مذاهبهم وأديانهم.. أما سبب تلقف (علماء بلاد الشام) للمصطلح فلأنه يبين أنهم ليسوا عملاء للنظام وإنما هم على نهج أسلافهم الذين وقفوا ضد الوهابية، ففي عام 1803 هاجمت جحافل الوهابيين بلاد الشام وارتكبوا مذابح جماعية في قرى معان ومزيريب وحاصروا دمشق وأخذوا الجزية منها ومن أهل حمص حتى وصلو إلى دير الزور حيث ردهم أهلها الشجعان بعدما دمروا قسما منها، فرجعوا إلى جزيرتهم على أن يعاودوا الغزو في العام التالي، فما كان من علماء بلاد الشام إلا أن استنجدوا بالباب العالي الذي نقل الطلب إلى محمد علي باشا الذي جهز حملة عسكرية بقيادة ابنه طوسون فحارب الوهابيين ثلاث سنوات في عاصمتهم الدرعية ولم يفلح في اقتحامها فأرسل حملة ثانية بقيادة ابنه ابراهيم باشا الذي دمر الدرعية بعد ست سنوات .. وكما في الماضي فإن علماء بلاد الشام قد استنجدوا اليوم بجيش البلاد، مما ينفي التهمة عنهم بأنهم عملاء للسلطة، ذلك أن التيار المعادي للوهابية قديم في بلاد الشام حتى أن العائلات الشامية الحنبلية وقفت ضدهم مما يدل على اختلاف طباع وثقافة أصحاب المذهب الواحد بين بلاد الشام وبلاد نجد باعتبار الوهابيين يتبعون المذهب الحنبلي..

(3)

ترجع العلاقات بين الدولة الوهابية وجماعة الإخونج إلى ثلاثينات القرن الماضي وبالتحديد عندما التقى مرشد الإخونج حسن البنا في الحج عام 1936 بالملك الوهابي عبد العزيز بن سعود الذي موله لبناء 15 مركزا للإخوان بمصر، بعدما تخلص بلباقة من طلبه إقامة فرع للإخوان في المملكة بقوله: كلنا إخوان مسلمون.. وكان الإخونج في مقدمة مستقبلي الملك حين يزور مصر، وبعد فشل محاولة الإخونج اغتيال الرئيس ناصر استقبلتهم السعودية وأدغمتهم في مؤسساتها التعليمية فألفوا مناهجها ونشروا طريقتهم بين الناس، واجتمعت المدرستان اللتان تنتميان إلى مرجعيات عنفية (ابن تيمية وسيد قطب) حيث تمثل الوهابية الإسلام البدوي بينما الإخونج يمثلون بقايا إرث الإسلام العثماني الذي يفتقر إلى العمق الحضاري إذ أن قبائل الإمبراطورية العثمانية لم تنتج فلسفةً ولاشعراً ولا مسرحاً ولاعلوماً، حتى أنها سطحت مذهب الصوفية العريق في البلاد، فكان صوفيوها تنابلة اتكاليون يعيشون على فتات السلطان لإمبراطورية لم ترَ في رعاياها أكثر من دافعي ضرائب .. وكان لابد أن يفترق الإخونج عن الوهابيين لأنهما يتبعان السياسة أكثر من تعاليم الدين، وهكذا بدأت العلاقة بين المملكة والإخوان بالتذبذب منذ اختلافهما حول ثورة اليمن ثم بعد غزو الكويت وصولا إلى عودة إخونج الربيع العربي إلى مرجعيتهم العثمانية المنافس القديم لقبائل الجزيرة العربية على خلافة المسلمين، وازداد تخوف المملكة بعد استلام الإخوان للسلطة في مصر وتنسيقهم مع فرع الإخونج التركي، وامتد التنافس إلى (المجاهدين) في سورية حيث تنازعت المجموعات الإخونجية المسلحة مع شقيقتها الوهابية رغم أن كليهما قد كفروا السوريين وأعملو السيف في رقابهم مخلفين الكثير من المقابر الجماعية ..ومنذ العام الماضي أفتى علماء الوهابية بتكفير الإخونجية، وفي هذا خير لعموم المسلمين الراغبين بالتطور والحداثة..أضف أن التبشير الوهابي قد تقلص خارج المملكة بعد نقلة ابن سلمان المناهضة له، وإذا استمر تجفيف تمويل نشر الوهابية في العالم فسوف تذبل أصوله في الداخل لصالح الحداثة الإجتماعية..

(4)

لم يختطف الإخونج ثورات الربيع العربي فهم صناعها ومنظموها ومؤقتوا انطلاقتها في الجمهوريات دون الممالك والمشيخات العربية، بالتضافر والتعاون مع واشنطن.. وقد تورط الجمهور العربي في البداية قبل أن يحجموا، غير أن المال القطري والإدارة التركية حافظا على استمرار جذوتها في تونس وليبيا واليمن ومصر وسورية، وكان يجب أن ينجحوا مع كل الدعم الغربي لولا أن غالبية الناس امتنعوا عنهم بسبب أن الإخونج يناهضون العلمانية ويرفضون المساواة بين المرأة والرجل ولا يعترفون بحقوق الأقليات ويعملون على نشر الكراهية ورفض الآخر عبر تسليح أعضائهم بكتب ابن تيمية وسيد قطب التي تدعو للعنف، وبالمجمل فإن الديمقراطية لاتعنيهم خارج صندوق الإقتراع إذ يقولون بأن الحكم لله وليس للشعب وأن الله فوض مرشديهم بخلافته، المرشدون الذين يفتقرون للمرونة الفكرية وللخيال السياسي.. فرغم مرور 92 عاما على تأسيس تنظيمهم الصارم بفروعه ال 79 المنتشرة في العالم وتمويلهم الخرافي مازالوا متشرنقين داخل إطار تنظيمي وفكري محدود، وقد ظل غالبة المسلمين السنة معادون له، ذلك أن شيوخ السنة هم من نقلوا ثقافة التنوير وأسسوا لعصر النهضة منذ قرنين، بينما أفرز مرشدوا الإخونج تنظيمات القاعدة وداعش وغيرها، ولم يتطور هذا التنظيم الرافض للحداثة فراح يتفتت من شدة تحجره بينما قادته مأخوذون بوهم المعرفة دون أن يدركوا التغييرات التي حدثت في مجتمعاتهم خلال تسعة عقود لم يقدموا خلالها لعموم المسلمين أي نظام حكم عادل، ففشلوا في حكم السودان ومصر والصومال وهاهم يفشلون في تونس، وفي طريق الفشل في تركيا، إذ لايوجد عاقل يرغب باستبدال اليوم بالأمس سوى كائنات الإجترار السلفية التي تستبدل العقل بالنقل..

(5)

في كتابنا “رواية اسمها سورية: مئة شخصية شكلت وعي السوريين في القرن العشرين” الصادر سنة 2007 قمنا بمراجعة سيرة الآباء المؤسسين لحزب البعث والشيوعي والقومي السوري وجماعة الإخوان المسلمين، وصراع الأحزاب العلمانية مع بعضها ومع الإسلاميين، وحتى صراع القيادات البعثية مع بعضها، بينما أحدث الإخونج شرخا في مجتمعات الشرق الأوسط التواقة للحداثة، حيث أعطوا للحكومات العسكرية مبررا للإستبداد والمزيد من العسكرة الأمنية لمواجهة عنفهم منذ خمسينات القرن الماضي.. فكما في تركيا أتاتورك جاء الجنرالات العرب ـ المعجبين بالكماليين ـ بنصف علمانية ونصف حداثة ونصف مواطنة، فلاهم كسبوا تأييد المثقفين وأثاروا استهجان السلفيين وضعف تعاطف المواطنين، بينما برع الإخونج في العمل تحت الأرض في بالظلام وبات وسمهم الظلاميون، إلى درجة أنهم فشلوا في العمل تحت الضوء حين استلموا السلطة، إذ أن بنيتهم الآيديولوجية أكثر استبدادا وعنصرية من الحكومات التي حاربتهم، حتى أن غالبية الناس اختاروا الأهون شرا بعد الربيع السلفي، فانحازوا إلى حكومات العسكر لحمايتهم من سيف الإسلاميين، وهكذا عدنا إلى مربع الصراع الأول الذي بدأه آباؤنا بعد الإستقلال .. إذا مالعمل ؟

في مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد بمجمع صحارى بدمشق في العاشر من تموز 2011 طرحنا ورقة عمل للإصلاح الوطني بعد مناقشتها وإغناءها برأي عدد كبير من المثقفين السوريين، قلنا في مقدمتها بوجوب حماية النظام بمنعه من إعادة إنتاج نفسه لكي لايعيد إنتاج أخطائه وأعدائه وحربه المستعادة من ثمانينات القرن الماضي، وقد فصلنا ذلك في مئات المقالات بالإضافة إلى ثلاثة كتب عن مسببات الحرب وبنية المجتمع والسلطة والمعارضة.. واليوم نرى أن الكلام ينطبق على جميع الفرقاء حيث الإخونج يعيدون إنتاج أنفسهم وأخطائهم في الدول العربية، وكذا السياسات الدولية تعيد إنتاج نفسها في المنطقة: الولايات المتحدة وروسيا وأحلافهما، إذ لاشيء تغير في مقدماتها ونتائجها على أرض الواقع، لهذا مازلنا عالقين في عنق بقرة السياسة الدولية التي تجتر حياتنا.. إنها أشبه بدوامة تدور حول نفسها ونحن غارقوا الشرق الأوسط مازلنا نصرخ في قربةٍ مقطوعة ولامنقذ لنا سوى في إنتاج علمانية مشرقية تناسب بنية مجتمعاتنا وتطلعاتها، مع التذكير أن “إسرائيل” عدوتنا هي الوحيدة التي لا تعيد إنتاج نفسها، حيث تتقدم بخطى مدروسة ضمن مشروعها للشرخ الأوسط الجديد الذي ستتموضع فيه، وقد أفلحت في ذلك حتى الآن، ولكننا لاندرك ماذا يخبئ الغد للجميع..

* تنويه : أجلنا الحديث عن “التحالف السوري العلماني” الذي وعدنا به في الحلقة السابقة فنأمل عفوكم


الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق