أخبار مهمةمنوعات

كفر حارب بين روعة المناظر الطبيعية و الراحة النفسية


من رواية قناديل الليالي المعتمة للاستاذ علي المزعل

عقدت العزم اليوم جنوبا لما لهذه المنطقة في مثل هذه الايام من روعه في المناظر الطبيعية وراحة للنفس فكانت محطتي الاولى على الشاطيء الشرقي لبحيرة طبريا توجهت بعدها صعودا الى كفر حارب .
( الصور للشاطيء الشرقي لبحيرة طبريا ومطل قرية كفر حارب المهجرة )
القرية

كفر حارب
تتربع فوق بساط صخري عَمِلَ فيه منشار الزمن حتى بدا على ارتفاعات شاهقة في معظم أطرافها، ولا سيما تلك المطلة على فلسطين، والمقابلة تماماً لبحيرة طبرية… فمن هناك تنهض الصخور على ارتفاعات يصعب اجتيازها إلا عبر ممرات إجبارية حفرتها الأيام والأقدام حتى صارت معابر سلكها العابرون إلى فلسطين عبر آلاف السنين، … وتشكل البحيرة بيضة فضية تلتقي في أعماقها ظلال البيوت على الجانبين، وتتعانق فيها خيوط الضياء المشدودة إلى نوافذ البيوت الحجرية العتيقة، كلما أوغلت الشمس في الاختباء خلف جبال فلسطين، تاركة خلفها بقايا النهار تلعب على سطح البحيرة لتندحر رويداً رويداً أمام الأضواء الخافتة المولودة من فراغات النوافذ، وأمام النجوم السابحة التي لا تلبث أن ترتمي في أحضان الماء لتلتف حول القمر الصيفي الذي يختبئ في قعر البحيرة كلما أمعن الليل في الرحيل.
وكثيراً ما تنعكس بيوت طبرية في مرايا بيوتنا الملتصقة بالجدران الطينية العتيقة، حتى تآلفت مع وجوهنا وعَمِرَت بها مآقينا.


ومن جهة الشرق تلتحف القرية بسهول فسيحة لها طعم الحياة، تفوح من تربتها الحمراء رائحة القمح والشعير والذرة البيضاء والسمسم والكتان، والبيقياء، والعدس، والخضار بأنواعها، وتستمر السهول في امتدادها حتى تدخل في حلق وادي مسعود الذي يزنر القرية على امتداد حدودها الشرقية، ولهذا الوادي ارتباط وثيق بحياة القرية وأهلها، ومواشيها وأطفالها وفتيانها، فعلى كل قمة من قمم الجبال المتآخية على جانبيه صدىً لقصة حب، أو موالٍ حزين لعاشق محروم، أو أصداء رتيبة لأجراس المواشي وهي تلج السفوح على أنغام الرعاة وحداء العابرين.


وعلى جنباته أيضاً تبدو بصمات التاريخ عميقة، حيث تنهض الصخور العملاقة والكهوف التي تحمل جدرانها رسوماً وأوشاماً لأولئك الذين تفجرت عبقريتهم فأبدعوا التاريخ وأبدعوا الحياة، رغم كل العواصف التي شهدتها المنطقة، فلا تكاد تلتفت يميناً أو شمالاً حتى تطالعك الكثير من الآثار والأوابد الملتصقة بأشجار البلوط العملاقة، وأشجار الملول واللوز والقندول والسدر والرتم، … وعلى امتداد مسارات المياه تنبت أشجار الدفلى والعليق البري، تفر منها أزاهير حمراء بلون الدم، ولون الشفاه المترعة بنار شوقها، لتشكل مع ألوان الأزاهير الأخرى بساطاً نادراً يلهب الخيال، .. تحلق به الروح لتجتاز قمم الجبال وتلتحم مع فضاءات مفتوحة إلى عوالم أخرى لا يمكن للمرء إدراكها إلا إذا عاش بنفسه تلك الحالة الخاصة التي شكلت نسيج أهل القرية، والقرى المجاورة لها ولا سيما تلك التي ارتفعت على سلالم الجبال في الشرق، والتي تنام على بساط الخضرة، وأنغام المياه المتدفقة عبر نهر اليرموك إلى فلسطين.


وفي الشمال تتشبث الكثير من الأودية والقلاع بخاصرة القرية حتى بدت جزءاً منها ومعبراً لها نحو خط الصخور الذي يمتد في عمق الشمال ليضعك أينما وقفت قبالة فلسطين بمدنها وسهولها وقراها وجبالها، وفي أحيان كثيرة يخيل إليك أن بحيرة طبرية قد ولدت من رحم الصخور المنحدرة نحو الغرب، والتي تفجرت الينابيع في جنباتها حتى شكلت حزاماً مائياً عذباً وقد حملت هذه الينابيع أسماءها الخاصة وقصصها الخاصة أيضاً وقد ورثها الآباء عن الأجداد…. كعين العرائس، وعين قروح، وعين النسوان، وعين النمر، وعين البيك، وعين البئر، وفي الشرق عين التليل وعين العريض وغيرها.


ولهذه الينابيع عذوبة أهلها وطراوة أرواحهم، فهي تنبجس من أطراف الصخر جداول تترقرق بين أشجار الصفصاف والتين والزيتون والصبار والسدر، شأنها في ذلك شأن كل الطرقات التي تمتد في خطوط متعرجة بين الأمام فتبدو للناظرين من بعيد كأنها الأحلام التي تخترق الآماد كلها وصولاً إلى فلسطين.


ولازالت أطرافها تحتفظ بصهيل الخيول وأصداء السيوف عبر مراحل تاريخية متعاقبة يحفظها أهل القرية أباءً وأجداداً… ولازال الكثير من التلال ينهض على تلك الأجساد التي قبضت على أحلامها رغم موتها، وفي بطون الكهوف لازال صدى الزغاريد معلقاً، ولا زالت همهمات الرجال على أطراف الريح، تحملها شرقاً لتعانق جدران البيوت فوق الصخور، وتحملها غرباً لتمتد صدىً مع أمواج البحيرة، ولتظل في ذاكرة الناس حكايا ومواويل وحداءً وغضباً وأحلاماً.


ويبدو ذلك جلياً في أعراس القرية وطقوسها، فإن اجتمعوا للحصاد انعقدت حناجرهم على التاريخ، وتعانقت أحلامهم وأمجادهم مع صدى مناجلهم وهمهماتهم، …. وإن كان الحزن يمتد خيطاً رفيعاً بلون الدم إلا أن ذلك لا يلبث أن يضيع في أعطاف أمجادهم التي تلوح لهم في كل صباحاتهم المشرقة، رغم الكد والتعب والظلم الذي أحاق بهم تحت سطوة الإقطاع الذي امتد زمناً وتهاوى تحت ضرباتهم في أيامهم التالية.


وليبادرهم طعم النشيد وعذوبة النور الممتد من قبة السماء حتى يذوب في سيقان القش الذهبية المتراكمة، والمتلألئ عرقاً على جباهٍ سُمْرٍ لونتها الشمس، وغبار السهول الملتحمة بالأفق، وفي ذاك الموسم تبدو الخيول راكضة تجر نوارجها على أناشيد الصبية وهرج الرجال، وهم ينهضون من ظلال عرائشهم ليصنعوا حياة أطفالهم وأمانيهم الممتدة في بطون المواسم القادمة.


وما إن تغرب الشمس وتهبط رطوبة المساء، حتى يتحلق الجميع على حكايا أجدادهم، … بينما تُشد الخيول إلى أوتادها، وهي تذب بذيولها، وكأنها تستولد الهواء الذي يجفف عرقها، ويخفف عناءها الذي يمتد على نهارات الصيف كلها.


وأحياناً تشنف آذانها وكأنها تشارك الفلاحين أحاديثهم، ولغطهم الذي يمتد، ويمتد حتى يغيب رويداً رويداً مع أفول القمر الذي يمضي ليستقدم الشمس، والصباحات الندية الجميلة.

عدسة : عطا فرحات

جولان تايمز

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق