التصنيفات
أخبار مهمة الجولان سورية

السوريين: “المقت” أيقونة النضال والتحدي وسيتحرر الجولان بأمثاله

التصنيفات
أخبار مهمة الجولان سورية

الصور الأولية للأسير المحرر أمل فوزي ابو صالح وهو بطريقه للجولان المحتل

خاص- الجولان السوري المحتل
تحرير الأسير أمل فوزي أبو صالح من سجون الاحتلال وهو الآن في طريقه إلى مجدل شمس

التصنيفات
أخبار مهمة الجولان سورية

قصيدة لروح المناضل المرحوم “صلاح الدين فرحات” – بقلم رافي مصالحة

لروح المناضل العظيم صلاح الدين فرحات

لأنك تسكن الوجدان,

حين نعوك

ثار الجّرح… والأشواق

وربا الحنين والذكرى

وغار الشوق في الأعماق

فصار توقنا نهرا

رؤاك في جوانحنا…

تعانق روحنا قسرا

تباعدنا…  تشردنا

وغزا النحيب كنائسنا ومآذننا

فلم ندرك لنا زمناً

ولم نعرف لنا وطناً

وغابت شمسنا دهرا

أرقد بسلام,  أبا ايّوب

فضاء القدس مأواكَ

روابي الشام تنعاكَ

فبعد دماءٍ نزفناها

وطرقاتٍ أضعناها

وأمجادٍ سطرناها

سيبزغ قبرك النورا

وتسطع روحُك نصرا

فقَر عيناً أبا أيوب

ستحيا في ضمائرنا

وتبقى للمدى الذكرى

ويفنى الباغي المحتلّ

ونجلو الظّلم والأسرا

بقلم – رافي مصالحة… دبورية

التصنيفات
أخبار مهمة سورية منوعات

جيش الإنقاذ وظلم ذوي القربى! – جديد سعيد نفّاع الدراسيّ

جيش الإنقاذ وظلم ذوي القربى!
جديد سعيد نفّاع الدراسيّ.
صدر هذا الأسبوع كتاب سعيد نفّاع الدراسيّ: “جيش الإنقاذ وظلم ذوي القربى!”، عن دار ناشرون – مكتبة كل شيء حيفا. الكتاب من الحجم المتوسط و-208 صفحات، وهو المؤلّف ال-16 للكاتب.
وقد كتب مقدّمته الناقد البروفيسور إبراهيم طه، وممّا جاء فيها:
” سعيد نقّاع – آخر الباحثين عن الوعي الضائع… قرأت الكتاب مرّة ونصف. كانت المرّة الأولى بطيئة متهادية ومركّبة، قراءة جاهل يسعى إلى المعرفة، وقراءة عارف يريد أن يعلم أي يتحقّق من المعرفة بالعلم. وكانت نصف المرّة قراءة من أراد لقلبه أن يطمئنّ فانتقى من الكتاب بعضه.
هي مرافعة من مبدئها حتى منتهاها. مرافعة طويلة ومتأنّية، ماضية وحادّة، صدامية دموية. تشنّ حربًا على وهم النقل “المحايد”. وهمٌ يتبخّر في عنوان الكتاب مباشرة بقوّة الشكوى التي بثّها طرفة بن العبد قبل قرون. فحين يخاطبنا العنوان بلغة مسحوبة من قاموس الظلم، ظلم ذوي القربى على وجه الخصوص، يدرك القارئ أنّ النقاش في سياق الكتاب لن يكون عذريًا رخوًا. رغم ذلك، لم يُكتب للمناكدة، النكد والنكد المضادّ، لأنه قبلا وبعدًا يمقت التمسّح بالنظريات الفوقية. فالكتاب مكتوب بحسّ الباحث الفطري عن الحقيقة. لا تشغله المناكفات ولا يبتغي منه أجرًا ولا شهرة ولا يسعى إلى درجة أكاديمية أو مرتبة مجتمعية. وإذا كان منزّهًا عن الأجر متحللا من أسباب المنفعة الذاتية أكان يفزع من “الباحثين الكبار” ويخشى نِقمتهم؟!”
يُطلب الكتاب من مكتبة كلّ شيء حيفا. 8642815-04 أو 7700092-054.

التصنيفات
أخبار مهمة سورية عربي ودولي

هل غدت الرسالة الأدبيّة تعاني الضُّمور؟! – الكاتب والمحامي “سعيد نفّاع”

هل غدت الرسالة الأدبيّة تعاني الضُّمور؟

تراودني منذ زمن الفكرة عنوان المقالة هذه على ضوء ما يشهده مشهدنا الثقافيّ من تداعيّات عصيّة على الإدراك، ويلحّ عليّ السؤال؛ ما هو موقع ومكانة ومضمون الرسالة الأدبيّة في النصّ الأدبيّ؟! وهل تُختزل قيمته منها؟
القصد ليس الرسائل الأدبيّة التي هي إحدى فنون الأدب، والتي شهد تراثنا القديم والحديث كثيرا منها، وحديثا مثلا؛ رسائل ميّ زيادة – جبران خليل جبران. القصد هي الرسالة، الهدف الأسمى، التي يجب أن يحملها النصّ الأدبيّ، وبمعنى آخر؛ القول الذي يجب على النصّ وصاحبِه غَرْفُه ومن ثمّ إيصالُه العطاشَ.
هذه المراودة استفحلت في الآونة الأخيرة على ضوء “التعويم” في سوق الأدب، انتاجا وأمسياتِ إشهار و\أو تسويق، ومواقعَ تواصل وهذه تنغِل نغَلا. فتقرأ ما تيسّر لك وتحضر من الأمسيات ما تيسّر أحيانا ل- “جيبك”، لتجد نفسك وفي الكثير ممّا قرأت ومّا سمعت تسأل:
أين الرسالة الأدبيّة في جلّ ما قرأت وسمعت؟! هل أصابها ضُمور؟! أو هل كشُحَ موقعُها ولم يعد لزهوّها مكان؟! أو هل غابت أو غُيّبت؟! أو ليس هذا ولا ذاك فهي حيّة في النصّ تُرزق، وإنّما تغيرّت بك أنت الأحوال وعدم إيجادك إيّاها هو لتوك في فهمك واستيعابك وربّما في ذائقتك؟!
يبدو لي إنّ ما يعتور حياتنا الفكريّة والوطنيّة والاجتماعيّة في العقود الأخيرة من ارتجاجات (درجة 7 وما فوق على سلّم ريختر!)، جعل الانكفاءَ شبهَ الكليّ نحو الذات ديدَنا وبالتالي أسقط على أدبنا آخذا إياه نحو مدرسة أو نظريّة؛ “الفنّ للفنّ” استراقا وتسرّقا وعلى الغالب كمَثَل الغراب والحجل، فتضعضعت مكانة الرسالة الأدبيّة، وقد اتخذ الكثيرُ من النصوص أشكالا لا تتعدّى الصناعة الفنيّة وإخراجَها وأداءها، وربّما اتخذتها هكذا من حيث لا ندري انسياقا وراء الارتجاجات في المُثل والقيم أعلاه، اللهم في لمحة في النصّ هنا وأخرى هنالك وضربةِ ريشة في اللوحة هنا ومثلِها هناك، وفي الكثير من الأحيان “تجمّلا”، فتجيء هذه اللمحات والضربات حشوا صارخا يسيء حتّى لمثل هكذا نصّ فنّه للفنّ.
حين أزمعت أن أخوض في الأسئلة\التساؤلات، والتخمين عن “التوك” في الفهم والاستيعاب والذائقة أعلاه، يمّمت شطر أدبيّات في الموضوع علّي أجد مِعوانا، فقرأت مقالة بقلم دكتورة؛ اسمها صفيّة الودغيري، تحت عنوان؛ “رسالة الأدب في المنظومة الأخلاقيّة”، تدّعي فيها أنّ:
“رسالة الأدب ينبغي أن تزرع في قلوب أبنائها الشعور بالمسؤوليّة التي تحتّم عليهم أن يتجشّموا الصّعاب، ويأمنوا على أنفسهم مصارع الفِتن… ويزرعوا قيمة الأدب أخلاقا وآدابا قبل الالتزام بقواعده تعبيرا وأداء.”
وتضيف اقتباسا من أديب اسمه؛ عبد الله كنّون الآتي:
“رسالة الأدب العربي، رسالة مقدّسة يجب ألا تقتصر على الأغراض اللفظيّة، ولا المُتعة الذهنيّة، ولا المعاني الذاتيّة التي لا يشعر بها إلا الأديب المتكلّم نفسه، إنّها رسالة ومفهوم هذا اللفظ ممّا ينبغي ألّا يغرُب عن البال، فهو مهمّة تقتضي الهدم والبناء…”
تخلُص الكاتبة فيما تخلُص، إلى:
“العمل الأدبيّ تحوّل إلى فنٍّ خالٍ من جوهره، ومفتقر إلى رسالة تبثّ ثورة في أوصاله وتمدّه بصبيبٍ من دماء الحياة تعصف بجذوره الميْتة وتقتلعها من منبتها السيّء، لتفسح المجال لميلاد أدب عربيّ أصيل، يخدم قضايا الأمّة…”
لم أوافق الكاتبة في كلّ ما حدّدت في مقالتها وخلُصتْ إليه، هذا من ناحية، ومن الأخرى فقد تناولت هي وكما جاء في عنوان المقالة “الرسالة الأخلاقيّة” وأمّا أنا فأورد إبلي في ناحية أخرى لا تقلّ أخلاقيّة. ومع هذا، كلمات كثيرة كانت خطرت ببالي إجابةً وتناولا لتساؤلاتي أعلاه وكثيرة غيرُها تسرح في البال، غير إني وحين قرأت هذا رأيت أن أقتبسه، فهو يختزل جُلّ ما جال ويجول في خاطري نحو مورد إبلي؛ الرسالة في الأدب.
وأدّعي؛ أنّ الرسالة في النصّ الأدبيّ؛ هي الهدف الأسمى وبالتالي هي المقياس وهي المعيار لقيمته وقلّتِها، وقوّته وغيابِها، وأهدافه وضياعِها. الافتقار إلى الرسالة غيابا أو تغييبا، أو “كشوحها”، أو عدم وضوع عنوانها أو عدم وضوح ما نريد لهذا العنوان ومنه وهذا هو الأهم، كلّ هذه إن اعتورت النصّ تجعل من النصّ الأدبيّ “طقْع حَكِي” ومهما جمُل لبوسه بفاقع الألوان وعلا رَنينُهُ بمنغّم الألحان، فلن يشفع له لا جمال اللبوس ولا عذب الرّنين.
صحيح إنّه يحقّ للشاعر كما الكاتب، أن يشعَر ويكتب تنفيسا عن مكنونات نفسه وبثّ لواعجه الذاتيّة والشكوى وحتّى البكاء، ويكتب الماورائيّات في كل ما يشاء، ويكتب الوجدانيّات صبح مساء، ويُطلسم قدر ما شاء. ولكن عندما تصير نصوصه كلّها تدور في هذه الدوائر لا تتخطّاها، فما للناس وله ولمثل هكذا نصوص اللهم إن شاطروه ذاتيّاته؟!
نُدرة أو قلّة هم الناس الذين يعيشون لأنفسهم، الإنسان بطبيعته يعيش لنفسه وللآخرين، يعيش لدائرته الصغرى فالأوسع والأوسع. وِسُع دائرته واكتظاظها وتداخل أخريات معها يقررها، عند الميتافيزيقيّين، قدرُ هذا الإنسان والدور المنوط به من لدُن القوّة الأعلى في الحياة وتجاه الأحياء، وعند الفيزيقيّين، تقرّرها إرادته وخياراته في الحياة.
المُنتِج وفي سياقنا؛ باحثا كان أو مفكّرا أو كاتبا أو شاعرا أو فنّانا، وبغضّ النظر إن اعتبر نفسه من الأُوَل أو الأُخَر أو كان خليطا من هؤلاء ومن أولئك، دائرته هي أوسع كثيرا من ذاته، تشمله وتشمل الناس وحولها دوائر أخرى وأخرى؛ عائليّة ومجتمعيّة ووطنيّة وإنسانيّة. نصّه ليس ملكا له حتّى وهو في أدراجه متأهبّا للانطلاق، واختبار رقيّ ورفعة هذا النصّ ليس مواصفاته الأدبيّة النظريّة وإنما في الرسالة التي يحمل، فالأولى، المواصفات الأدبيّة، لن تنفع في النصّ بدون الثانيّة والثانية لا تنفع بدون الأولى وقد تنفع حتّى لو جاءت الأولى “مْبَهدَلة” بعض الشيء، ولنا في الكثير من المُبدعين مثلٌ.
هذا بارز عند بعض شعرائنا المعروفين، فإن رحت تقيس انتاجهم بالمواصفات الأدبيّة النظريّة ستجد فيه من المثالب الكثير، لكّن عمق وقوّة الرّسالة التي حمل إنتاجهم “بهّتا” كلّ خلل في المواصفات النظريّة، وبقيت هذه رهن اجتهادات الباحثين والنقّاد بعيدا عن عقول وقلوب الناس في معارك حياتهم؛ الهدف الأسمى للمُبدع.
النصّ ينغرف ويغرفُ معه الرسالة الأدبيّة من صخب الدائرة التي يولدان في فلكها وفيها يعيش مُولِّدُهما، وبحكم وطبقا لدور المُولّد يُغرفان من الصغرى فالأكبر. وحين يتعدّى الصخب محيط الدائرة الأصغر ويتداخل أو يتشابك في مساحات الدوائر الأخرى فالنصّ وحملُه يُغرفان من صخبها كلّها مجتمعة. إن اغتُرفت الرسالة هكذا فقد وضعت خطوتها الأولى في الطريق، وإن قارعت الصّخب ودون هوادة فهي بهذا تشقّ الطريق، وإن أضاءت الطريق فقد بلغت المأرب، وحينها يستطيع النصّ القول: “اللهم اشهد إنّي بلَغتُ” (بالفتحة دون الشدّة على اللام).
إنْ كان كلّ ما سقت أعلاه تعميما، فللتخصيص أقول؛ نحن المنتجين الأدبيّين العرب الفلسطينيّين في البلاد، ويصحّ ذلك على غيرنا من أبناء جلدتنا، نشأنا قرّاءً على أدب الرّسالة، وفي سياقنا؛ الرسالة الوطنيّة القوميّة المغروفة من رحم صخب حياتنا الوطنيّة والقوميّة، هذه الرّسالة نهضت بنا نهضة طائر الفينيق الذي جلبناه معنا من جزيرتنا كنعانيّين ويبوسيّين وفينيقيّين وعموريّين، وظلّ فينا وإن درست يبوس وأوغاريت تراجعا منّا، تحت أقدام الغزاة.
نحن ما زلنا نعيش قضيّة وطنيّة وقضيّة قوميّة صاخبتين بكلّ المعاني، وإن كان الصخب فيهما فيما مضى من صنع غرباء والأقرباء تضافروا على ردّهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فهو اليوم من صنع غرباء كثروا وتضافروا وأقرباء كثروا وتنافروا. هؤلاء الأقرباء هم نحن وما فينا من تخلّف ذهنيّ يصطخب، يزيده صخبًا ماديّتنا المستفحلة فغالبيّتنا العظمى تعيش “بحبوحة”، وإن وهميّة ستنهار كقصور الرمال على الشواطئ عند أول موجة تطالها، ولكنها تصطخب فينا؛ انكفاءً ذاتيّا وانكفاءً مجتمعيّا وبالتالي انكفاءً وطنيّا وقوميّا. هذا التخلّف الذهنيّ الممهور بماديّتنا ينخرنا اجتماعيّا وسياسيّا وهذا النخر يتناسب طرديّا وطنيّا، فطموحنا الوطنيّ، وكنتيجة حتميّة، يعيش قصورًا ذاتيّا بعد أن أفقده هذا التخلّفُ وتداعياتُه قوّة وآفاق الانطلاق.
هذا هو التحدّي الأساس أمام حملة القلم، فإن انكفأت أقلامهم في نصوصها في وجه هذا التحدّي؛ ضمورَ رسالة أو كشْح رسالة أو حتى غيبةَ رسالة، فهذا خطأ ما زال يمكن إصلاحه، ولكن إن حَمل الانكفاء “تغييب رسالة” فهذه خطيئة لا تُغتفر لا بل جريمة جزاؤها حرق الأقلام والأوراق وليكن الحبر الوقود.
أدّعي: إنّ الرسالة الأدبيّة روح النصّ الأدبيّ، هي أولا وآخرا القضايا الأساس في حياتنا، والقضيّة الوطنيّة ومعوّقات رقيّها هي قضيّتنا المركزيّة كانت وما زالت وتصطخب اليوم أكثر، وإن افتقد النصّ مثل هكذا رسالة، والرسالة ليست فقط قول هي قول وفصل قول، إن افتقدها قلّت قيمته وضعُفت قوّته وضاعت حاجته. هذا هو المعيار الأهم لرقيّ أي نصّ أدبيّ وقبل وفوق كل المواصفات الأدبيّة النقديّة وبالذات المستوردة منها.
هل نصوصنا الأدبيّة أو غالبيّتها اليوم، تعاني ضُمور هذه الرسالة؟! أو هل تقاسي غيبتها؟! أو تئنّ تحت تغييبها؟!
أترك هذا للقاريء، ولكنّي أدعو نفسي وأدعوه أن نقيّم العمل الأدبيّ طبقا ل-“الرسالة الأدبيّة” في النصّ الأدبيّ ومدى ارتباطها بال-“صخب” الذي نعيش وطنيّا وقوميّا وإنسانيّا وسياسيّا واجتماعيّا، والأهم حين تحمل الرسالة مع الداء الدواء والهدم والبناء، وهذا لا يعني أن نهمل لبوس النصّ الأدبيّ، وإلا تحوّل الأديب إلى خطيب والنصّ إلى خُطبة، وللخُطب ناسها وإن أمكن أن يكونوا أدباء ولكن حينها بعباءة خُطباء!
سعيد نفّاع
أوائل تموز 2019

التصنيفات
أخبار مهمة سورية

القصيدة العتيقة- قصّة… من وحي أمسية!

كانت كلُّ جارحة في عاصم تتقاذفُها كلماتُ زملاءَ وأحباءَ تملأ جوّ القاعة العاجّة، وعيونٌ كثيرة تتناقل بين ملامحِه وبين ملامحِ الخطباء. لم يكن عقلُه يستوعب كلّ ما كان يقال، لأن عقلَه، هذا المكوّنَ الإنسانيّ الغريب الجامح، كان يذهبُ به بين الكلمات بعيدا ولا يلبث أن يعيدَه تصفيق حادّ قلّما كان يعي له رابطا. وكانت يدُه اليمنى لا تبارح الجانبَ الأيسر من صدره، تعلو وتهبط تشد وتُرخي وكأنها تريد أن تتأكد من وجود شيء ما تحتها يخاف عليه أن يهرب.
كان الوجومُ سيّدَ الموقف على ملامحِه، يظنُّه الرائي، غير مخطىء كليّا، تأثّراً بما يجري حوله، والحقيقةُ أن وراء الوجومِ كان ما هو أكبرُ كثيرا ممّا يجري، وما يجري جعل ذلك الوجومَ أعمقَ. كان وجومُه في ذلك الشيءِ الذي وُلد ذلك اليوم في قلبه وراح يكبر متسارعا، وكلّما كبر وضاقت عليه الحجراتُ كان يروح يدّق الجدرانَ بشراسة ودون رحمة، وإذ لم يُستجبِ الدقُّ كان يمتشق أظافرَه الحادّة لينشبَها في طيّات جدران القلب، ولا ينفكّ يفعل ذلك حتى يئنّ القلبُ داميا، فيعفو ذلك الشيءُ عن سجّانه راحة آنيّة استعدادا للجولة الآتية، وتوالت الجولات.
مع الأيام، وإن بقي الأُوارُ مستوطنا في القلب، إلا أن الهُدنَ بين معركة وأخرى كانت تطول والتهدئةَ تسود. هبّ الأوار مرّة واحدة عاليَ اللهب في تلك الزيارة المسائيّة الخاصّة لثلّة من طلّابه وقد غزا الشيب المفارق والرؤوس منهم، ألقت على قسمات وجهه وجوما ظلّ رفيقَه ثقيلَ خفيفَ الدّم في آن، اعمقَّ هذا المساء.
البداية كانت يوم كان عاصم عائدا من رحلة غياب عن دوامِه المدرسيِّ لا يعرف بأسبابها، غيرُه، إلا المديرُ والمُستدعي. كان ذلك غداةَ دعاه مديرُ المدرسة عصرَ اليوم الذي سبق، وقد كان التعبُ هدّه من يوم طويل ككلِّ أيامِه التي كان يعصر فيها كلَّ ما يستطيعُ إلى ذلك سبيلا، من قلبه قبل عقله، حتّى يحلو المذاقُ في حلق طلّابه الذي كان مليئا عادة بكلّ أسباب المرارة في تلك الأيام، فخرج من عنده تملأ المرارة قلبه وحلقه.
ما خطر على باله يوما أنّ كلمةً تُقال هنا وأخرى تُقال هناك، وما هي إلا توصيفُ حال ليس إلا، يُمكن لها أن تكون الحدَّ الفاصلَ بين يُسر لقمةِ عيش صغاره المتوفّر نوعا ما، في زمنٍ كان العسر رفيقَ اللُقم على قلتها، وبين البوح بما يختلج في قلبه وعينيّا أمام طلّابه. هذا الخاطرُ جاءه حين أخذه التفكير بعد تلك “الضيافة” إلى يومٍ سبق ذلك اليومَ بكثير، قال له فيه أبوه الكسيرُ الوجه حزينُه: “يا عاصم دفاترك هذه من لُقمة إخوتك فدير بالك عليها جايِهْ علينا أيام سودا”.
لم يعِر الأمرَ كثيرَ اهتمامٍ حينها، ولكنّ أياما جاءت، وإن كانت بوادرُ جمّةٌ تشير إلى قدومها، إلا أن البوادرَ كانت راحت تحت حوافر خيلِنا التي اهترأت من كثرة الاحتفار ولم تجدِ الطريقَ إلى مرابطها في لندن. لم تُربط خيلُنا لا في شارع “الداوننغ ستريت” ولا في ميدان “الترافيلغار” الذي شوّهت تسميتُه ما تبقى لنا من رائحة “الطرف الأغر أو طرف الغار” في الأندلس، هذا إن كانت خيولُنا أسرِجت أصلا وبما يليق.
ودفاترُ عاصم التي كانت مقتطعةً من لُقمِ العائلة، جعلت منه معلّما راح سنين طويلة يفتّش عن كلمات كثيرة على صفحاتها شوهتها بقعُ زيت كثيرةٌ والتَهم اهتراءُ الورق كثيرا من أحرفها، ليطعمَها لطلّابه المتكوّرين على طاولات مهترىءٌ جلّها، جوعى بعد أن ظلّت لقمُهم تحت ركام بيوت كثيرة امّحت مع امِّحاء قراهم، وكان على عاصم أن يمحوها من ذاكرتهم أو على الأقل ألا يطرحَ ما يكدّر صفوَ الامّحاء، ووعد.
هذا هو الموضوعُ الذي عبقت به تلك الغرفةُ الصغيرةُ شبه المظلمة، كاشحةُ ألوان الجدران وقد فعلت فيها رطوبةٌ بحريّة مالحة فعلَها، متطاولةٌ شبابيكُها المشبّكة الضيّقة، والقابعةُ في آخر الرّدهة السفليّة من مركز الشرطة المورَّثِ بصكّ دوليّ ممهور بدم وبارود.
وهذا ما كان وراء ذلك الشيءِ الذي كان يكبر في القلب، والحافلةُ تئن طاويةً الطريقَ التي لم تكن بعدُ جراحُه قد اندملت، والذي كانت ما زالت أكوامٌ كبيرة من الحجارة قريبةً وبعيدة على جنباته، تشرئبّ من بين ركامها أشجارٌ يتدلّى بعضُ فروعِها المتكسرّةِ ليس بفعل الطبيعة، وإنّما بفعل قذائفَ كانت انهمرت حولها لم تقو على فصلها عن أمهاتها وإن أثخنتها جراحا، فظلّت متعلّقة بآخرِ رمق لاقحةً الأفنانَ الغضّة الذابلة منها على أكتاف الركام.
أشدّ ما جثم على صدر عاصم وهو يغادر، أشلاءُ رجولة تخلّى عنها أو تخلّت عنه وبقيت على بلاط تلك الغرفة شبهِ المظلمة، وإذ لم يكن من الذين تستطيع وجوهُهم إخفاءَ مكامنِ قلوبِهم، “زادت الطين بلّة” الجلسةُ المتوقّعة في البيت، ليس لوجهِ شبه بين الجلستين، فشتّان، وإنما وإن لم يكذبْ في تلك الغرفة الكاشحة الألوان سيضطر أن يكذب على زوجته المحبّة ربّما خوفا على رجولته التي ضاع جزءٌ منها صباحَ ذاك اليوم، ولا يريد لما تبقّى منها أن يضيع أمام عيون زوجته المحبّة، وهذا ما كان، وعزاؤه كان أنه لا يريد أن يزيدَها حملا على حمل، رغم أن هذا العزاءَ لم يُسْليه لا حينها ولا بعدها.
لم ينم عاصم تلك الليلة قبل أن يفرّغ ذلك الشيءَ المُنشبَ أظافرَه في حجرات قلبه، قصيدةً خبّأها عميقا في أدراجه خوفا عليها أن يصلَها يوما ظلامُ تلك الغرفة الكاشحة الألوان في ساعة سهوة، أزاحت كلماتُها عنه بعضَ ذلك الهمِّ الذي حمله من تلك الغرفة، وحتّى يومَ صار وعدُه يتيما بحكم التقادم وتغيّرِ الأحوالِ وصار بإمكانه أن يبوح، ظلّت قصيدتُه حبيسة الأدراج، فهي صادقةٌ ولكن في صدقها ضعفَه وانهزامَه وبعضَ رجولة ضاعت وربّما أكثرَ من ذلك. أويُفشي الضعيف المنهزم ضعفه وانهزامه؟!
ظلّ الوعدُ رفيقَ عاصم سنين طويلة، وليس لأن “وعدَ الحرّ دينٌ عليه” فأصلا ما كان قطعه حرّا وإنما عبدا، وظلّ لا يعرف إن كان ذلك عبوديّة طوعيّة للقمةٍ في زمنٍ عزّت فيه اللقمُ، أم خوفا من ذلك الذي كان يجلس خلف الطاولة العتيقة في الغرفة الكاشحة الألوان.
بعد طول عمر وحين بلغ منه الضّمور مبلغا وحين صار طلابُه الذين أراد له صاحبُ الغرفة كاشحة الألوان، أن يمحو من ذاكرتهم لقمَهم التي ظلّت تحت الرّكام أو على الأقل ألا يذكّرَهم فيها، حينها قرّر طلابُه أن يكرّموه إذ كان، من ناحيته على الأقل، عوّضهم الكثيرَ من اللقم التي أشبعت بعضَ خواءٍ في بطونهم، فقدّروه وأحبّوه.
كانت القاعة تعجّ، أُتخمت كلاما لكنها خلّت مطرحا لكلام تنتظره، وحين وقف عاصم على المنصّة ضامرَ الجسد حانيَ الظهر تجلّل عينيه نظّارةٌ سميكة لم تستطعْ أن تخفيَ الاغروراقَ في عينيه، طال وقوفُه قبل أن تخرج الحروفُ من بين شفتيه تنازعها بحّةٌ وارتجاجٌ فضحا أسبابَ تأخرِه عن النطق، لكن الأحرفَ المترجرجةَ خرجت أليمة مؤلمة وجاء أولُها:
“ربّما أطيلُ عليكم فتحمّلوني لأنها ربّما تكون المرّةُ الأخيرة التي ألتقيكم فيها!”، حكّت هذه الافتتاحيةُ شغافَ القلوب فهجعت، والحكايةُ أعلاه هي التي حكاها بصوت كسير وكأنه يعترف بجريرة ارتكبها إذ أبقى الحكايةَ والقصيدةَ حبيستين بين اللُقمِ التي ظلّت بين الرّكام وتلك التي ضَمِنها سهلةً بوعدٍ قطعه ضعيفا مهزوما في تلك الغرفةِ كاشحةِ الألوان. وثاقب البصر والبصيرة هو الوحيد الذي استطاع هنا أن يفهم سرّ ذاك الوجوم الذي لم يبارح محيّاه هذا المساء، وإن كانت ترافقه هنا وهناك بين الكلمات بسمةُ عرفان وشكر، ويبارحه حين يقف معانقا الخطباء الكثر، والذي لا يلبث أن يعود حاطّا ثقيلا على وجهه.
كان وقد قارب حسبَ السياق أن ينهيَ الكلام، يمدّ يدَه إلى جيب معطفه الداخليّة الحاضنِ “قنبازه” العربيّ رافعا بيده الأخرى طرفَ “حطّته” الوطنيّة المتدليّة تحت “عقاله” الأسود، القنباز والحطّة والعقال التي ظلّت رفيقته ربّما قولا في وجه قول، أو ردّا في وجه غزوٍ من بنطال وكرفات وبرنيطة، يمدّها مخرجا ورقةً عتيقة فتحها بتأنٍ خوفا عليها، وراح يقرأ بصوت كسير قصيدةً فيها ذاك الدّمُ الذي لم يتخثّرْ منذ أن أنشبت أظافرَها في ثنايا قلبه في طريق العودة من تلك الغرفة الكاشحة، ولم يتخثّرْ حين صار حبرا مسكوبا على ورقة ظلّت حبيسةَ الأدراج، وها هو يسيل على المسامع بعد طول زمن، وقد تعتّق كلّ هذه السنينَ بين طيّاتِ لقمٍ مرّة.
هل كان يقرأ لائحةَ اتهامٍ، وإدانةً لنفسه؟! أم كان يقرأ صكَّ غفران؟! أم كان يوصلُ شيئا آخرَ لأناس يعرفون ما يعرف ويحرِفون؟!
هو الوحيد العارف، وربّما بعضُ وجوه بين الحضور جلّلها السّهَمُ والأحرفُ تتهادى، ومع هذا وحين أنهى، كان التصفيقُ هادرا في القاعة، ربّما إجلالا لصّدقِ أمام الناس لم يمنعه يوما عن نفسه، وتعبيرا عن أشياء أخرى!
سعيد نفّاع
أواخر كانون أول 2017

التصنيفات
أخبار مهمة إسرائيليات سورية عربي ودولي

بالذكرى الثانية لاستشهاده… “سمير القنطار” شهيد غرس روحه بالمقاومة

جولان تايمز- خلود حسن

لم تكن القضية الفلسطينية، في يومٍ من الأيام، قضية تخص الفلسطينيين فقط، بل كانت ومازالت هي قضية العرب في كل مكان، ولأجلها ودفاعاً عنها قدّم العرب آلاف الشهداء، فضلا عن المئات من العرب الأسرى، إذ لم تخلُ دولة عربية من المشاركة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي أو التمثيل داخل سجونه ومعتقلاته منذ احتلاله لباقي الأراضي الفلسطينية عام 1967، فكان هناك أسرى مصريون ولبنانيون وأردنيون وسوريون وعراقيون ومغربيون وسودانيون وجزائريون وتونسيون وسعوديون وليبيون وغيرهم.

وهؤلاء جميعا يشكلون مفخرة للشعب الفلسطيني. فهم الذين سطروا سويا مع إخوانهم الفلسطينيين أروع صفحات الوحدة والتلاحم والنضال العربي المشترك في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وهم من سطروا كذلك صفحات مضيئة خلف قضبان سجونه. لذا ستبقى الذاكرة الفلسطينية تحفظ أسماءهم عن ظهر قلب. وكيف للذاكرة الفلسطينية أن تنساهم، وهم جزء من التاريخ الفلسطيني وجزء أصيل من تاريخ عريق سجلته الحركة الوطنية الأسيرة خلف قضبان سجون المحتل، وخطت حروفه بالألم والمعاناة ودماء الشهداء!.

“سمير القنطار” العاشق لفلسطين، والمقاوم من أجل حرية فلسطين، والأسير المحرر القائل “لم أعد من فلسطين إلا لكي أعود إلى فلسطين”، والشهيد على أيدي من يحتل فلسطين، هو واحد من أولئك العرب الذين انتموا لفلسطين وضحوا من أجلها وشاركوا في النضال من أجل تحريرها.

 “سمير” هو ذاك الشاب اللبناني الذي عشق فلسطين منذ طفولته، وانخرط في فصائل الثورة الفلسطينية وهو في ريعان شبابه، وحمل البندقية بشجاعة وتقدم الصفوف دفاعاً عن فلسطين وثراها، وتخطى الحدود وتجاوز حقول الألغام، وعبر البحر إلى نهاريا شمال فلسطين على متن زورق مطاطي مع مجموعة من رفاقه ليقاوم المحتل الإسرائيلي وجهاً لوجه، وليساهم في استعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة.

“سمير” قاوم واشتبك مع الاحتلال وجنوده المدججين بالسلاح، وقتل وجرح العديد منهم، قبل أن تنفذ ذخيرته، ويصاب بعدة رصاصات وينزف دمه ليروي ثرى الوطن العربي الفلسطيني، فيقع في قبضة المحتل الإسرائيلي ولم يكن حينها قد تجاوز السابعة عشر من عمره. ولينقل بعدها إلى زنازين سجونه، للتحقيق والتعذيب بهدف الانتقام، ويتعرض في تلك الحُجَر الصغيرة والضيقة لأبشع صنوف التعذيب دون مراعاة لإصابته وتفاقمها، أو لدمه النازف من جسده الجريح وحاجته للرعاية الطبية، ليخط على جدران زنزانته بقطرات من دمه أولى حروف مرحلة جديدة في مسيرة حياته ومقاومته للمحتل خلف قضبان سجونه. كان ذلك في الثاني والعشرين من نيسان/ابريل عام 1979. وهو ذات التاريخ الذي أعتمد لاحقا يوما للأسير العربي، تكريما ووفاء لكل هؤلاء العرب الذين ناضلوا وضحوا واعتقلوا لأجل فلسطين وقضيتها العادلة، وبقىّ الشعب الفلسطيني يحييه -حتى يومنا هذا- بالشكل الذي يليق بهم، وفاء لمن كانوا أوفياء لفلسطين.

وفي الثامن والعشرين من كانون الثاني/يناير عام1980 اصدرت المحكمة الإسرائيلية المركزية في تل ابيب بحق ذاك الأسير العربي اللبناني حكماً بالسجن المؤبد (مدى الحياة) خمس مرات، بالإضافة الى 47 عاماً.

أمضى “سمير” من سنوات عمره في سجون الاحتلال الإسرائيلي وبشكل متواصل ربع قرن من الزمن، زادهم أربع سنوات، بل وأكثر من ذلك ببضعة شهور، وكان قد اقترب على اتمام ثلاثين عاماً كاملة في غياهب سجون الاحتلال لأجل حرية فلسطين وثراها و شعبها، ودخل قسرا ضمن قائمة “جنرالات الصبر” وهو المصطلح الذي يُطلقه الفلسطينيون على من مضى على اعتقالهم أكثر من ربع قرن، وهو بذلك يُعتبر “عميد الأسرى العرب” على مر التاريخ وليس فقط اللبنانيين، باعتباره أكثرهم قضاء للسنوات في سجون الاحتلال. هكذا يسجل التاريخ الفلسطيني والعربي، وهكذا تحفظ الحركة الأسيرة في سجلاتها، وهذه هي الحقيقة الساطعة التي يجب أن يعرفها الجميع.

وعلى امتداد ثلاثة عقود أمضاها في السجون الإسرائيلية، تعرض “القنطار” للقهر والظلم وقسوة المعاملة كباقي الأسرى الفلسطينيين، لكن لربما معاناته تفوق معاناة الآخرين جراء حرمانه من زيارة أهله وأقربائه ومحبيه طوال فترة سجنه، إلا أن ذلك لم يكسر إرادته القوية وعزيمته الصلبة وصموده الكبير، ولم يهز ما فيه من معنوياته عالية، فظل “سمير” الأسير ثابتا بشخصيته القوية كما “سمير” المقاوم، وملتحما مع إخوانه الفلسطينيين كما كان بجانبهم في ساحة الاشتباك المباشر، ونسج علاقات وطنية واسعة مع كافة الأسرى على اختلاف انتماءاتهم الحزبية، فأحبهم وأحبوه، وتحلى بأخلاق عالية وشجاعة قل مثيلها. فانخرط في الحياة الاعتقالية والنضالية والتنظيمية، وكان نداً قوياً للسجان وما يمثله، وحاضراً دوماً في قلب المعركة، وكان مشاركاً وقائداً في كل المواجهات خلف القضبان على اختلاف مسمياتها وطبيعتها بما فيها الإضرابات المفتوحة عن الطعام وما يُطلق عليها بـ”معارك الأمعاء الخاوية”. وشارك بفاعلية في تحقيق الانتصارات وتطور مسيرة الحركة الأسيرة. لذا اعتبر واحد من قيادات الحركة الأسيرة وأحد أعمدتها الأساسيين طوال فترة سجنه. هكذا عرفناه في السجون وهكذا يشهد له رفاقه واخوانه وممن عايشوه في السجون الاسرائيلية.

في العشرين من آيار/مايو 1985 رفضت دولة الاحتلال اطلاق سراحه ضمن صفقة التبادل الشهيرة آنذاك، والتي جرت ما بين الجبهة الشعبية-القيادة العامة وحكومة الاحتلال. كما وأصرت  على رفضها بإطلاق سراحه ضمن صفقة التبادل التي أنجزها حزب الله في كانون ثاني/يناير عام 2004. إلا أن حزب الله آنذاك كان قد وعد “سمير” بإطلاق سراحه وضمان عودته حراً الى لبنان. فكان “الوعد الصادق” في السادس عشر من تموز/يوليو2008. ليعود سمير حرا ومنتصرا الى أهله وشعبه ووطنه. وهو من قال حينها “”لم أعد من فلسطين إلا لكي أعود إلى فلسطين”. هذا هو سمير القنطار، ومن منا لا يعرف سمير، فهو لا يعرف المقاومة وانتصاراتها، ولم يقرأ عن فلسطين وتاريخها، ولم يسمع عن الحركة الأسيرة وصمودها ونضالاتها ومقاومتها للمحتل خلف قضبان سجونه.

“سمير سامي القنطار” (54 عاما) هو ذاك الشاب العربي اللبناني الذي دخل فلسطين فدائيا، وروى ثراها بدمائه النازفة، وضحى بحريته لأجل حريتها فأمضى في سجون مُحتلها ثلاثون عاما، وهي تفوق ما قضاه من سني حياته خارج أسوارها. واستشهد جراء غارة اسرائيلية صاروخية استهدفت العمارة السكنية التي كان متواجد فيها في “جرمانا” القريبة من العاصمة السورية “دمشق”، وذلك في مساء التاسع عشر من كانون أول/ديسمبر 2015. ليعود الى فلسطين شهيداً ويسكن قلوب شعب أحبه، فعشقه، فحفظ اسمه في ذاكرة الوطن، وحفر مسيرته النضالية المظفرة في سجلات تاريخ الثورة والحركة الوطنية الأسيرة.

أخونا، رفيقنا، صديقنا، حبيبنا “سمير القنطار”.. الشهيد الحي قبل اغتياله واستشهاده ورحيله الأبدي. فالقاتل الإسرائيلي كان يخشاك وأنت في سجنه مقيد بالسلاسل والأغلال. وأعرب عن خشيته أكثر بعد خروجك وعودتك منتصراً الى لبنان المقاومة. واليوم يخشاك وانت في قبرك شهيداً. فهنيئا لك الشهادة.

وبذكرى الثانية لاستشهاد البطل القائد الشهيد سمير القنطار نعود ونذكر بوصيته

هذا العدوُ يتوهمُ أنهُ بقتلِنا قد يجرُ المقاومةَ الى مواجهةٍ هوَ اختارَ زمانَها ومكانَها، من هنا أؤكدُ لكلِ محبي المقاومة أن الانتقامَ لدمائِنا يكونُ من خلالِ التمسكِ بهذه المسيرةِ ومن خلالِ تنامي قوةِ الردع التي تمتلكُها المقاومة، ومن خلالِ أيضا استمرارِ رفعِ جهوزيتِنا التي تضمَنُ تحقيقَ النصرِ على هذا العدوِ الصهيوني في أيِ مواجهةٍ قادمة، إن النصرَ على هذا العدو هوَ الإنتقامُ الأكبرُ والأهمُ لكلِ الدماءِ المظلومة، وقيادةُ المقاومة وعلى رأسِها سماحةُ الأمينِ العام السيد حسن نصر الله تَعرِفُ وبدقةٍ متى وكيفَ تردُ على جرائمِ العدو، وتُدرِكُ بمسؤوليةٍ تجنبَ الإنجرارِ لمعركةٍ، العدوُ حددَ زمانَها ومكانَها، فلا أحدَ يشتبهُ بجديةِ المقاومةِ وبأنَ كلَ دماءِ المقاومينَ عزيزةٌ وغالية، وأنَ الردَ والإنتقامَ الفوريَ يكونُ فقط اذا أضافَ انجازاً لرصيدِ المقاومةِ وجنَّبَها الإنجرارَ الى معركةٍ حدَدَ زمانَها ومكانها العدوُ الغاصب، وقَصَدَ من هذا الإغتيالِ ذلك.
دماؤنا متساوية، وقيادتُنا حكيمة ،هكذا أثبتَت التجارِبُ الماضية، لنرددَ دائما نداءَ لبيكَ يا نصرَ الله ، وعيونُنا تنظرُ الى البعيد/ الى تحقيقِ الهدفِ الأكبرِ بنصرِ الله لنا على عدوِنا الظالم …

أستودعكُمُ اللهَ والسلامُ عليكُم ورحمةُ الله وبركاته